تقدير موقف): بين الهواجس الجنوبية والوقائع الإقليمية – هل يتجه الجنوب نحو إعادة هندسة المشهد السياسي والعسكري؟
تشهد الساحة الجنوبية في الآونة الأخيرة حالة متصاعدة من القلق السياسي والشعبي، على خلفية سلسلة من التطورات المتزامنة إقليمياً ومحلياً، أبرزها الحديث عن تفاهمات سعودية–حوثية غير معلنة، والتقارب الخليجي–الإيراني، والتسريبات المتعلقة بإعادة ترتيب هرم السلطة في ما يسمى بالشرعية اليمنية، إضافة إلى ما يتردد حول استهداف مخازن سلاح تابعة لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي.
وفي ظل غياب الشفافية الرسمية، تتوسع مساحة التأويل والتكهنات، وتبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة المرحلة القادمة، وما إذا كانت المنطقة تشهد بالفعل عملية إعادة تشكيل شاملة للمشهد اليمني والجنوب على وجه الخصوص.
أولاً: ما الذي يمكن الجزم به وما الذي يبقى في دائرة الفرضيات؟
منهجياً، ينبغي التمييز بين الوقائع المؤكدة، والمؤشرات السياسية، والاستنتاجات المحتملة، والسيناريوهات المفترضة.
حتى اللحظة لا توجد أدلة علنية قاطعة تثبت وجود اتفاق سعودي–حوثي يتضمن تسليم الجنوب للحوثيين.
لكن توجد مؤشرات فعلية على:
رغبة سعودية واضحة في إنهاء الحرب اليمنية.
سعي إقليمي واسع لتخفيض التوترات.
انفتاح متبادل بين الرياض وطهران.
توجه إقليمي لإعادة ترتيب ملفات المنطقة.
إرهاق اقتصادي وأمني أصاب جميع الأطراف بعد سنوات طويلة من الصراع.
هذه المعطيات حقيقية، أما كيفية ترجمتها على الأرض فما تزال مفتوحة على أكثر من احتمال.
ثانياً: لماذا تتصاعد الهواجس الجنوبية؟
تنبع المخاوف الجنوبية من عدة اعتبارات موضوعية:
1- غياب الشريك الجنوبي عن طاولات التفاوض
المفاوضات الرئيسية خلال السنوات الماضية تركزت غالباً بين أطراف إقليمية ويمنية محددة، بينما ظل التمثيل الجنوبي محل جدل، الأمر الذي يثير مخاوف من صياغة ترتيبات مستقبلية لا تعكس كامل المطالب الجنوبية.
2- تراجع الأولوية الدولية للقضية الجنوبية
القوى الدولية تنظر إلى الملف اليمني أساساً من زاوية الأمن البحري ومكافحة الإرهاب وأمن الطاقة واستقرار الملاحة الدولية، وليس من زاوية معالجة القضية الجنوبية كقضية سياسية مستقلة.
3- الضغوط الاقتصادية والخدمية
الانهيار المعيشي وتدهور الخدمات الأساسية يولدان شعوراً عاماً بأن الجنوب يتعرض لحالة إنهاك مستمرة، وهو ما يجعل أي تطور سياسي أو أمني يُقرأ في إطار إعادة تشكيل المشهد السياسي وفق ترتيبات جديدة.
ثالثاً: هل يمكن للسعودية أن تسلّم الجنوب للحوثيين؟
سياسياً وأمنياً، فإن هذا السيناريو بصيغته المباشرة يبدو الأقل ترجيحاً للأسباب التالية:
أولاً: الكلفة الأمنية
السعودية خاضت حرباً طويلة أساساً لمنع تمدد نفوذ الحوثيين، ومن الصعب تصور قبولها بسيطرة مباشرة لقوة مرتبطة استراتيجياً بإيران على كامل الجغرافيا الجنوبية والمنافذ البحرية الحساسة.
ثانياً: الموقف الدولي
الممرات البحرية الحيوية في باب المندب وخليج عدن تمثل مصالح استراتيجية دولية، وأي سيطرة أحادية عليها ستثير تحفظات إقليمية ودولية واسعة.
ثالثاً: الواقع الجنوبي
حتى لو افترض وجود رغبة لدى بعض الأطراف الإقليمية، فإن فرض السيطرة على الجنوب ليس قراراً سياسياً مجرداً، بل يرتبط بمعادلات اجتماعية وقبلية وعسكرية وجغرافية معقدة تجعل تنفيذه أمراً بالغ الصعوبة.
رابعاً: السيناريو الأكثر واقعية
السيناريو الأكثر احتمالاً ليس تسليم الجنوب للحوثيين، وإنما إعادة تشكيل مراكز القوة داخل اليمن بما يضمن إنهاء الحرب وتقليل مصادر التهديد الإقليمي.
وقد يشمل ذلك:
إعادة توزيع الأدوار السياسية.
تقليص نفوذ بعض القوى.
دمج أو إعادة هيكلة تشكيلات عسكرية.
إنتاج قيادة انتقالية جديدة تحظى بقبول أوسع.
خامساً: ماذا لو صحّت التسريبات المتعلقة بعلي ناصر محمد؟
يظل اسم الرئيس الجنوبي الأسبق علي ناصر محمد مطروحاً بين الحين والآخر باعتباره شخصية تتمتع بعلاقات إقليمية واسعة وقبول نسبي لدى أطراف متعددة.
غير أن تداول الأسماء في الكواليس السياسية لا يعني بالضرورة وجود قرار نهائي أو توافق مكتمل، إذ إن أي ترتيبات من هذا النوع تحتاج إلى توافقات معقدة داخلية وإقليمية ودولية.
سادساً: ماذا يمكن أن تكون حقيقة استهداف مخازن السلاح؟
إذا ثبت وقوع عمليات استهداف لمخازن سلاح تابعة لقوات جنوبية، فإن تفسير ذلك قد يندرج ضمن عدة احتمالات:
رسائل سياسية لإعادة ضبط توازنات القوة.
ترتيبات مرتبطة بمسارات تسوية قادمة.
إجراءات تتعلق بإدارة الملف الأمني والعسكري.
محاولات لمنع أي طرف من الانفراد بالقرار العسكري.
أما القفز مباشرة إلى استنتاج وجود خطة نهائية لتسليم الجنوب، فيبقى بحاجة إلى أدلة أكثر وضوحاً.
سابعاً: السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول: تسوية يمنية شاملة
وقف الحرب.
تقاسم سلطة.
ترتيبات أمنية جديدة.
تأجيل حسم القضايا الجوهرية.
السيناريو الثاني: تفاهمات شمالية مع تجميد الملف الجنوبي
تفاهم سعودي–حوثي.
استمرار الوضع القائم جنوباً.
إدارة الأزمة بدلاً من حلها.
السيناريو الثالث: إعادة إنتاج دولة مركزية موحدة
وهو سيناريو يواجه تحديات كبيرة نتيجة التحولات العميقة التي شهدتها البلاد خلال العقد الماضي.
السيناريو الرابع: تصاعد التوتر السياسي في الجنوب
في حال شعرت قطاعات واسعة من الجنوبيين بأن مطالبهم الأساسية يجري تجاوزها أو الالتفاف عليها ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.
ثامناً: التحدي الحقيقي أمام الجنوب
من خلال النقاشات الدائرة في الأوساط الجنوبية، يتضح أن جوهر الإشكالية لا يكمن بالضرورة في غياب الرؤية الوطنية الجنوبية، بل في غياب البيئة السياسية والإقليمية التي تسمح بتحويل تلك الرؤية إلى مؤسسات فاعلة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه.
فالمشكلة من منظور كثير من الجنوبيين ليست في نقص التصورات أو البرامج السياسية، بل في استمرار التدخلات الخارجية ومحاولات التأثير على المكونات السياسية وإعادة تشكيل المشهد وفق حسابات إقليمية متغيرة.
ومن هنا يبرز فارق مهم بين ثلاثة مستويات:
وجود مشروع سياسي.
وجود قيادة أو حوامل سياسية للمشروع.
امتلاك حرية الحركة اللازمة لتنفيذ المشروع.
وقد يتوافر الأول والثاني بدرجات٩ متفاوتة، بينما يبقى الثالث خاضعاً لموازين القوى الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق تكتسب فكرة عقد مؤتمر وطني جنوبي عام أهمية خاصة، ليس باعتباره مناسبة سياسية عابرة، بل باعتباره إطاراً يمكن أن يسهم في إنتاج مرجعية وطنية جامعة تتجاوز حدود المكونات والتنظيمات القائمة.
ويفترض بمثل هذا المؤتمر، إذا ما توافرت الظروف المناسبة له، أن يناقش مختلف المسارات السياسية والدستورية والاقتصادية والاجتماعية، وأن يسعى إلى بلورة رؤية وطنية مشتركة، ومعالجة التباينات القائمة ضمن إطار توافقي جامع.
كما أن نجاحه يتطلب:
مشاركة مختلف المكونات والقوى والتيارات الجنوبية.
مناقشة القضايا الخلافية بشفافية ومسؤولية.
الخروج بوثائق مرجعية واضحة.
تحديد آليات عمل ومتابعة ملزمة.
ترسيخ مفهوم الشراكة الوطنية بعيداً عن الإقصاء أو الاحتكار.
والواقع أن التجارب السياسية الحديثة تشير إلى أن القوى الإقليمية تستطيع التأثير في الأحزاب والتنظيمات والقيادات، لكنها تجد صعوبة أكبر في تجاوز توافق وطني واسع ومؤسسي إذا نجح في التعبير عن إرادة مجتمعية حقيقية.
ومن هنا قد لا يكون السؤال الأهم هو:
هل يمكن إعادة هندسة المكونات الجنوبية؟
بل:
هل تستطيع القوى الجنوبية إنتاج مرجعية وطنية جامعة تصبح أكبر من جميع المكونات القائمة؟
فإذا تحقق ذلك، فإن أي ترتيبات أو تسويات إقليمية ستجد نفسها مضطرة للتعامل مع هذه المرجعية باعتبارها حقيقة سياسية قائمة، لا مجرد طرف يمكن تجاوزه أو إعادة تشكيله.
الخلاصة
الهاجس الجنوبي الحالي مفهوم في ضوء التحولات الإقليمية المتسارعة، غير أن المعطيات المتاحة لا تسمح بالجزم بوجود خطة مؤكدة لتسليم الجنوب للحوثيين.
. الأرجح أن المنطقة تتجه نحو إعادة هندسة المشهد اليمني في إطار تفاهمات إقليمية أوسع، وأن الجنوب سيكون أحد أهم الملفات المطروحة ضمن هذه العملية.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في طبيعة هذه التفاهمات، بل في مدى قدرة الجنوبيين على الانتقال من مرحلة التعبير عن القضية إلى مرحلة بناء مرجعية وطنية جامعة ومؤسسات سياسية قادرة على تمثيل الإرادة الجنوبية بصورة أكثر اتساعاً وفاعلية.
وفي هذا السياق، تبدو فكرة المؤتمر الوطني الجنوبي العام، إذا ما أُعد له بصورة جيدة وتمتع باستقلالية كافية، واحدة من أهم الأدوات السياسية التي قد تسهم في إعادة ترتيب البيت الجنوبي وتعزيز قدرته على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية القادمة.