حين تصبح السلطة خصما للمواطن
في بلد أنهكته الحرب والانهيار الاقتصادي، لم يعد المواطن يبحث عن الرفاهية، بل عن الحد الأدنى من مقومات الحياة. ومع ذلك، تبدو الأولويات الرسمية وكأنها تسير في اتجاه مختلف تماما: توسع في النفوذ والامتيازات، مقابل انكماش مستمر في حقوق المواطن وخدماته وقدرته على العيش بكرامة.
المشكلة ليست في وجود مسؤولين أو وكلاء أو مستشارين بحد ذاتهم، وإنما في تضخم الجهاز الإداري والسياسي إلى مستويات لا تتناسب مع واقع بلد يعيش أزمة اقتصادية خانقة. وزارات تضم أعدادا كبيرة من الوكلاء، ومحافظات تتوسع في المناصب والمستشارين، ورواتب وامتيازات وإعاشات تصرف في الداخل والخارج، بينما الموظف والمواطن العادي يواجهان أجورا محدودة وارتفاعا متواصلا في تكاليف المعيشة.
هنا تظهر المفارقة القاسية: كلما اتسعت دائرة الامتيازات حول السلطة، ضاقت مساحة الحياة أمام المواطن.
المواطن لا يجد كهرباء مستقرة، ولا خدمات عامة بمستوى مقبول، ولا دخلا يتناسب مع الأسعار، ولا منظومة توفر له الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي. وفي المقابل، تتسع شبكات النفوذ والإنفاق على المناصب والامتيازات، وكأن الدولة قادرة على تمويل كل شيء إلا حياة الناس.
لكن المفارقة الأكثر إيلاما تبدأ عندما يحاول المواطن أن يساعد نفسه.
شاب يشتري دراجة نارية ليعمل عليها، أو عربة صغيرة ليبيع من خلالها بعض السلع، أو يفتح كشكاً متواضعا، أو يبدأ مشروعا منزليا، أو يضع ألواحا شمسية فوق منزله لتوفير قدر من الكهرباء في ظل عجز الخدمة العامة؛ هذه ليست مظاهر فوضى كما ينبغي أن تراها السلطة، بل مؤشرات على أن المواطن يحاول سد الفراغ الذي تركته مؤسسات الدولة.
كان يفترض أن تشجع السلطة هذه المبادرات، وأن تنظمها وتحميها وتوفر لها بيئة قانونية مناسبة. لكن حين تتحول الإجراءات الإدارية إلى وسيلة لملاحقة هذه الأنشطة وإغلاقها، يصبح السؤال مشروعا:
إذا كانت الدولة لا توفر للمواطن خدمة ولا عملا ولا دخلا كافيا، فلماذا تمنعه من أن يبحث بنفسه عن وسيلة للعيش؟
لا يمكن أن تطلب من المواطن الصبر إلى ما لا نهاية، ثم تحاصره في كل منفذ يحاول من خلاله تحسين وضعه.
ولا يمكن أن تتحدث عن دعم المواطن، بينما تترك أبواب الامتيازات مفتوحة أمام دوائر النفوذ، وتغلق أبواب المبادرة أمام المواطن البسيط.
المشكلة إذن ليست فقط في حجم الرواتب أو عدد المناصب، وإنما في اختلال الأولويات. الدولة في ظروف الأزمات يفترض أن تعيد توجيه مواردها نحو الخدمات الأساسية وحماية الفئات الأشد تضررا، وأن تقلل الإنفاق غير الضروري، وأن تجعل العمل والإنتاج والمبادرات الفردية جزءا من الحل، لا أن تعاملها باعتبارها مشكلة.
المواطن لا يريد أن يصبح وكيلا أو مستشارا، ولا يبحث عن إعاشة خارج البلاد. يريد أن يعمل داخل وطنه، وأن يحصل على خدمة كهرباء وماء وغاز ووقود، وأن يستطيع فتح مشروع صغير دون أن يتحول إلى خصم للسلطة.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه العلاقة بين الدولة والمجتمع هو أن يشعر المواطن بأن السلطة لا تحضر عندما يحتاج إليها، لكنها تحضر بقوة عندما يحاول أن يعالج مشكلته بنفسه.
عندها لا يعود السؤال: لماذا يعاني المواطن؟
بل يصبح السؤال الأهم:
لمن تعمل الدولة؟ وما هي الأولوية: حماية شبكة النفوذ أم حماية المواطن؟
فالسلطة التي لا تستطيع أن توفر للناس الحد الأدنى من الحياة الكريمة، عليها على الأقل ألا تقف في طريق محاولاتهم الفردية للبقاء.
المواطن ليس عبئا على الدولة، وليس خصما لها.
المواطن هو الدولة، وحين يصبح هو الضحية الدائمة، فإن الخلل لم يعد في المواطن، بل في طريقة إدارة الدولة وأولوياتها.