إلى متى يظل الوطن طارداً لأبنائه؟
رأيته في السفارة اليمنية مصر شاب في عمر الزهور يبلغ من العمر ثمانية عشر وجهه شاحب وعيناه تبحثان عن ورقة تثبت أنه موجود. جاء يستخرج وثيقة بعد أن ترك هويته وملابسه ووثائقه في ليبيا.
اخدته جانباً. ما إن بدأ يحكي حتى شعرت أنني أمام فيلم لا رواية.
"جئت إلى مصر، ومنها ركبت قارباً حتى حدود ليبيا. ثم زحفت على يدي في الصحراء، وتسلقت الشبك الجارح وقفزت. تعبت وتألمت، وتملكني الخوف في كل خطوة."
توقفت عند جملة قالها بصوت منخفض:
"أكثر ما أخافني كان وجود أطفال معنا. أعمارهم بين الثالثة عشر والرابعة عشر."
سألته: ما الذي أجبر طفلاً على ترك بيته وملاحقة الموت في الصحراء؟
قبل أن يجيب أجبته أنا: الجوع. ضيق العيش في عدن، وفي اليمن كله.
فضحك ضحكة موجوعة وقال: "فعلاً، لم نعد نستطيع العيش في عدن. الغربة جردتنا حتى من الكرامة."
سألته: وماذا بعد وصولكم ليبيا؟
تحرك بانفعال، ولم يستطع الجلوس.
استأجرنا غرفاً في فندق. في منتصف الليل طرقوا الباب. الشرطة. طلبوا الجواز.
ركضت للأطفال، وجدتهم يبكون. والله كانوا يبكون، حتى كبار السن كانوا يبكون.
أخذت الأطفال وعدنا من نفس طريق الموت الذي أتينا منه. تركنا كل شيء في الفندق وهربنا."
والآن هو جالس هنا، ينتظر تعميد ورقة ليثبت أنه يمني، لعله يعود إلى عدن.
في تلك اللحظة لم أملك إلا أن ألعن كل من تسبب في هذا المشهد.
حكومة، وشرعية، وانتقالي، وتجار حروب. الكل يتقاسم البلد، والشباب يدفع الثمن.
بلد "الخيرات" صار طارداً لأبنائه. أرض خصبة، بحر، موقع استراتيجي، تاريخ. كل شيء فيها يقول "أنا غنية" إلا حكامها يقولون "أنتم فقراء".
ما الذي يجبر أباً أن يرسل ابنه البالغ 13 عاماً في قارب موت؟
ما الذي يجعل شاباً يختار الزحف في الصحراء على أن يجلس في بيته؟
الجواب واحد: انعدام الأمل.
حتى متى؟
حتى متى يظل الوطن الذي من المفترض أن يكون الحضن، هو السبب الأول في النزوح والهروب والغرق؟
خرجت انا من السفارة وورقته لم تكتمل بعد. وأنا خرجت بسؤال ثقيل:
إذا كان هذا حال من نجوا، فكيف حال من غرقوا في الطريق؟
اليمن عدن الهجرة أزمةالشباب