صوت عدن | علوم وتكنولوجيا: 

   يصادف يوم 18 فبراير ذكرى اكتشاف علمي كبير في تاريخ الفيزياء والكيمياء، مضى عليه مئتان وستة وعشرون عاما، ومع ذلك لا يزال الجميع يجنون ثماره ويتمتعون بفوائده في حياتهم اليومية.

   في مثل هذا اليوم من عام 1745، وُلد أليساندرو فولتا، العالم الإيطالي الموسوعي الذي جمع بين الفيزياء والكيمياء ووظائف الأعضاء، وكان أحد الأعمدة الأساسية الذين أسهموا في تأسيس نظرية الكهرباء. خلّد الزمن اسمه في سجلات الحياة، إذ اشتُق من اسمه لفظ "فولت" ليصبح وحدة قياس الجهد الكهربائي في كل لغات العالم.

انصبت تجارب فولتا المبتكرة على تطوير أول خلية جلفانية عرفتها البشرية، وهي التي عُرفت باسم "العمود الفولتائي". لم يكن هذا الاختراع مجرد جهاز مختبري عابر، بل مثّل النموذج الأولي الحقيقي الذي قامت عليه فكرة البطاريات الحديثة بأسْرها.

في عام 1800، استطاع فولتا بناء أول خلية جلفانية في العالم تعمل كمصدر كيميائي منتج للتيار الكهربائي، وأطلق عليها اسم "الكومة الفولتية". اعتمد تصميمه على توصيل أزواج متعاقبة من صفائح الزنك والنحاس بشكل متوالي، تفصل بينها فواصل من الورق المقوى أو الجلد المشبّع بمحلول قلوي أو ماء مالح. ما إن تتلامس هذه المعادن حتى يحدث تفاعل كيميائي منتظم يُنتج تيارا كهربائيا مباشرا.

هذه الخلايا البدائية لم تكن خالية من النواقص، فقد عانت من قصر عمرها الافتراضي، وضعف التيار الذي تولّده، وسرعة تأكسد أقراص الزنك فيها. لكن اللافت في أمرها أنها كانت تُظهِر ظاهرة فيزيائية طريفة، إذ كان السلك النحاسي الذي يُغلق الدائرة يسخن ويتوهج، وإن كان توهجه خافتا جدا. كانت تلك أول بشرة بإمكانية تسخير الكهرباء في الإضاءة.


من المحطات البارزة في تاريخ تطور البطاريات، ما أتى به المهندس الفرنسي جورج ليكلانشيه عام 1866 حين ابتكر أول بطارية ملحية عملية، مستخدما صفيحة الزنك قطبا موجبا، وثاني أكسيد المنجنيز والكربون قطبا سالبا، فيما قام محلول ملحي بدور الإلكتروليت الناقل للشحنات. ثم توالت التحسينات، ففي عام 1889، أدخل كارل جاسنر مادة الجبس ومواد كيميائية متعايشة مع الماء إلى الإلكتروليت، فمهّد بذلك لعصر البطاريات الجافة التي شاع استخدامها في المصابيح اليدوية الأولى أواخر القرن التاسع عشر.

شهد النصف الأول من القرن العشرين قفزة جديدة، حين اخترع الكيميائي الكهربائي الأمريكي صمويل روبن بطارية الزئبق عام 1942، معتمدا على أكسيد الزئبق ككاثود وهيدروكسيد البوتاسيوم إلكتروليتا. ثم جاء الكيميائي الكندي لويس فريدريك أوري ليحسّن البطارية الملحية، فتوصل عام 1959 إلى أن استخدام إلكتروليت قلوي مع مسحوق الزنك يزيد من التيار الناتج زيادة ملحوظة، مطلقا بذلك شرارة بطاريات القلوي التي نعرفها اليوم.

مع توالي العقود، انتشر اختراع فولتا وتطور حتى غدا جزءا لا يتجزأ من نسيج الحياة البشرية المعاصرة. لأهمية هذا الإرث العلمي، خُصص اليوم العالمي للبطاريات في الثامن عشر من فبراير، تاريخ ميلاد هذا الفيزيائي العبقري، تخليدا لإسهامه.


البطاريات اليوم في كل مكان، بدءا من ساعات اليد وصولا إلى السيارات الكهربائية الصامتة، ومن الهواتف الذكية التي لا تفارق الأيدي إلى الحواسيب المحمولة، والفأرة، ولوحات المفاتيح اللاسلكية، ومكبرات الصوت المتنقلة، والمكانس الكهربائية الروبوتية، والمصابيح اليدوية التي تنير دروبنا في الظلام. لقد أتاحت لنا البطاريات الاستمتاع بالكثير من مزايا العصر دون حاجة دائمة للاتصال بشبكة الكهرباء.

لكن لهذا التقدم ثمن بيئي باهظ، إذ تنتهي أعداد هائلة من البطاريات المستعملة في حاويات القمامة العادية، فتجد طريقها إلى المكبات حيث تتحلل ببطء مُطلقة مواد بالغة السمية والضرر، كالرصاص والكادميوم والزئبق. تشير التقديرات إلى أن بطارية جافة واحدة من النوع المعروف بـ AA كفيلة بتلويث ما بين عشرة إلى عشرين مترا مربعا من التربة، وتحويلها إلى أرض قاحلة تعجز عن الإنبات لسنوات عديدة. لذا فليس من المبالغة وصف البطارية المهملة بأنها قنبلة موقوتة خطرة. إلا أن هذا الكابوس البيئي يمكن تجنّبه باتخاذ تدابير وقائية بسيطة، وأهمها التخلص السليم من البطاريات عبر وسائل مأمونة.

من أبرز الحلول العملية إقامة نقاط تجميع ومراكز إعادة تدوير متخصصة، ونشرها في مراكز التسوق والمؤسسات التعليمية والأماكن العامة، مع توفير حاويات محكمة الغلق ومقسمة حسب أنواع البطاريات، بما يسهل فرزها ومعالجتها لاحقا بطرق آمنة بيئيا.

في خضم هذا المسار التقني، تبرز قطعة أثرية غامضة تثير الحيرة والتأمل معا، ألا وهي "بطارية بغداد" التي يعتقد بعض الباحثين أنها تعود إلى عصور سحيقة سبقت ميلاد فولتا بآلاف السنين.

إنها جرة فخارية ارتفاعها نحو ثلاثة عشر سنتيمترا، تضم بداخلها أسطوانة نحاسية يمر عبرها قضيب حديدي معزول عن النحاس بسدادات من الإسفلت. حين يُملأ هذا الإناء بسائل حمضي أو قلوي كالخل أو النبيذ، يتحول إلى خلية جلفانية بسيطة تُنتج شحنة كهربائية صغيرة لا تتجاوز فولتا أو اثنين.

أثار هذا الأمر تكهنات واسعة حول إمكانية استخدامها في أغراض الطلاء الكهربائي أو حتى تسكين الآلام بصدمات كهربائية خفيفة، أو استخدامها في أداء طقوس دينية غامضة. غير أن كثيرا من الخبراء يشككون في أن تكون الجرة بطارية حقيقية سبقت عصرها، ويميلون إلى تفسيرها على أنها وعاء عادي لحفظ المخطوطات أو الأغراض المقدسة.

بقدر ما تبدو بطارية بغداد قادرة على العمل كهربائيا، يبقى السؤال المحير عالقا: هل عرف القدماء في حضارات بلاد الرافدين السر ذاته الذي اكتشفه العالم الإيطالي فولتا، أم أن الأمر مجرد مصادفة شكلية؟ يظل هذا اللغز أحد الأسرار المذهلة التي تخفيها صفحات التاريخ.

المصدر: RT