مركز دراسات بريطاني: تعدد مراكز السلطة في اليمن يفاقم الفوضى ويهدد الأمن الإقليمي
صوت عدن / وكالات :
لقد تطور اليمن إلى نظام حكم مجزأ يتسم بالتداخل التنافسي، حيث يتم فصل السيطرة المؤسسية جغرافياً بين جهات فاعلة غير حكومية.
في غياب هيكل حكم موحد، حافظت الجهات الفاعلة المحلية والشبكات غير الرسمية وأنظمة الدعم الخارجية مجتمعة على الحوكمة الأساسية وتقديم الخدمات، وسط اقتصاد ضعيف باستمرار ويعتمد بشكل كبير على المساعدات.
وبحسب تقرير صادر عن المعهد البريطاني للدراسات الاستراتيجية لا يعكس هذا الهيكل المتطور انهيارًا كاملاً، بل انتقالًا نحو نموذج حوكمة تكيفي، يتشكل بفعل الضرورة والتعديلات الهيكلية.
لا يزال هيكل الحكم في اليمن يعكس الآثار المتراكمة للحرب الأهلية اليمنية، إذ لم يشهد إعادة مركزية حقيقية لسلطة الدولة حتى مطلع عام 2026. وتحافظ الحكومة المعترف بها دوليًا، بقيادة المجلس الرئاسي للقيادة برئاسة رشاد العليمي، على وجود إداري محدود ومجزأ، حيث تُدار شؤون القيادة في كثير من الأحيان من خارج البلاد، لا سيما من المملكة العربية السعودية، نظرًا للقيود الأمنية والسياسية. وعلى أرض الواقع، تبقى السلطة منقسمة جغرافيًا، حيث تمارس جهات فاعلة متعددة، أبرزها الحوثيون (أنصار الله) والمجلس الانتقالي الجنوبي، نفوذها في مناطق منفصلة.
تواصل حركة الحوثيين، المدعومة من إيران، توطيد سيطرتها على مناطق شمال وغرب البلاد، بما فيها صنعاء. وقد توسعت هياكل حكمها لتشمل الضرائب، وإنفاذ القوانين، وآليات الأمن الداخلي. في حين يحتفظ المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات العربية المتحدة، بنفوذ كبير في أجزاء من الجنوب، ويدعو إلى إقامة دولة جنوبية مستقلة.
لم يُضعف هذا التشرذم التماسك الوطني فحسب، بل شلّ أيضاً الأطر المالية وخطط التنمية طويلة الأجل. ويؤدي التدهور الاقتصادي الناتج إلى خسائر كبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتفاقم الفقر. وبعد أكثر من عقد من الصراع، لا يزال أكثر من نصف السكان يعتمدون بشكل كبير على المساعدات الإنسانية لتأمين سبل عيشهم الأساسية. وكما هو متوقع، يستمر الوضع الإنساني في اليمن بالتدهور بالتوازي مع ذلك.
يعكس المشهد الراهن في اليمن نظاماً مُرهَقاً ولكنه ليس غائباً تماماً. وتشير الجهود المتواصلة التي تبذلها الحكومة الجديدة لصياغة سياسات إصلاحية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي إلى محاولات للحفاظ على مكانتها المؤسسية وتنسيق الحكم. في غضون ذلك، تستمر جهات فاعلة أخرى في ممارسة مهامها كسلطات أمر واقع، ساعيةً إلى تعزيز أجندتها الانفصالية. وبالنسبة لغالبية السكان، يبقى الحصول على الخدمات الأساسية والاستقرار الاقتصادي وبيئة معيشية آمنة أولوية قصوى.
في غياب حكومة موحدة، باتت الحوكمة متشرذمة هيكلياً. وقد فرض التباعد الجغرافي تغييراً جذرياً في كيفية الحفاظ على الخدمات الأساسية والنظام الاجتماعي، حيث طورت السلطات المحلية أنظمة حوكمة موازية لسد الفراغ المؤسسي. وفي الوقت الراهن، تُضعف ترتيبات تقاسم السلطة المتنافسة عملية صنع القرار المركزية وتُعرّض المساءلة السياسية للخطر، كما تُفاقم التحديات المستمرة المتعلقة بالشرعية.
يُخلّف تشتت السلطة في اليمن آثاراً تشغيلية بالغة، لا سيما فيما يتعلق بتنسيق السياسات العامة وتنفيذها. فتعدد السلطات يُعقّد عمليات صنع القرار، وتواجه العمليات الإنسانية والتنموية عقبات وقيوداً. وتتفاقم هذه التحديات بفعل انعدام الأمن البحري في البحر الأحمر، حيث أدى نشاط الحوثيين إلى تعطيل طرق التجارة والإمداد. ونتيجةً لذلك، يُقلّل هذا التشتت من الكفاءة التشغيلية العامة للدولة وقدرتها.
يُسهم وجود جهات مسلحة متعددة ذات مصالح متضاربة في استمرار بيئة أمنية متقلبة. ويُتيح غياب هيكل قيادة موحد للجماعات المسلحة المحلية التواجد، ويُضعف الأمن الحدودي والبحري، ويُفسح المجال أمام التهديدات العابرة للحدود. وقد تحولت ديناميكيات الأمن مؤخراً من صراع داخلي على السلطة إلى حرب إيران الأوسع نطاقاً، مما يُؤثر بشكل مباشر على سلامة المدنيين وأوضاعهم الأمنية.
يتفاقم التشرذم الاقتصادي في اليمن نتيجةً لاختلاف الأنظمة النقدية، وتراجع إيرادات الدولة، واضطراب حركة التجارة. ويؤدي هذا الوضع إلى تراجع ثقة المستثمرين، وتقييد الوصول إلى العملات الأجنبية، مما يُقلل من تدفق الموارد المالية الخارجية. وقد أثرت الاضطرابات البحرية الأخيرة على قنوات الاستيراد الرئيسية، مما ساهم في ارتفاع التكاليف ونقص الإمدادات. ويستمر عدم الاستقرار الاقتصادي حالياً إلى حدٍّ جعل البلاد تعتمد بشكل كبير على المساعدات الإنسانية والتحويلات المالية.
قد تشهد الظروف الاقتصادية تحسناً محدوداً وقصير الأجل بفضل حزمة التنمية التي قدمتها المملكة العربية السعودية؛ ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يؤدي ذلك إلى تغيير كبير في نقاط الضعف الهيكلية الأوسع للاقتصاد الوطني.
