ثقافي أكاديمي للمسيرة: الإلتزام بتوجيهات القيادة يحصّن الصفوف من إختراق الشائعات
صوت عدن / صنعاء / المسيرة نت :
أكد الناشط الثقافي محمد العفيف أن الشائعات تجد طريقها إلى صدور الأفراد والمجتمعات عندما تضعف الثقة بالقيادة ويغيب الالتزام بتوجيهاتها، مشددًا على أن تجربة غزوة أحد تقدم درسًا واضحًا في خطورة التنازع وعصيان القيادة وترك مواقع المسؤولية، وما يمكن أن يترتب على ذلك من نتائج وخيمة.
وأوضح العفيف في حديثه لبرنامج تمام النور أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يبنِ مجتمعًا صغيرًا أو بقعة جغرافية محدودة، وإنما عمل على بناء أمة بأكملها، وبدأ هذا البناء قبل الهجرة النبوية من خلال بيعة العقبة الأولى والثانية، على أساس التمهيد لبناء دولة ومجتمع إسلامي جديد.
وأشار إلى أنه عند انتقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة المنورة، كان من أولويات بنائه للأمن الاجتماعي المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وكذلك وثيقة المدينة بين أهل المدينة، موضحًا أن هذا الإعداد يعكس رؤية قائد حكيم يدرك أن المرحلة ستتحول إلى مرحلة صراع، وأن قريشًا لن تتركه وشأنه، وأن الأعداء سيتربصون بالدين والدولة الإسلامية الجديدة.
وبين أن تجربة بدر الكبرى جاءت بانتصار ساحق على قريش، وكُسرت شوكتها، وسمى الله سبحانه وتعالى ذلك اليوم يوم الفرقان، وبعد هزيمة قريش ومقتل طواغيتها وزعمائها وملئها الأعلى، قررت إعادة الكرة والانتقام، وجيشت جيشًا بهدف اجتثاث دولة الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ولفت إلى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عندما علم بقدوم قريش، أخبر أصحابه واقترح أن يلقوا قريشًا في المدينة، إلا أن أصحابه، وخاصة الشباب والفتيان المتحمسين، أصروا على القتال والخروج لمواجهة قريش، فخرج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ووضع خطة عسكرية حكيمة.
وأفاد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وزع جيشه إلى ميمنة وميسرة وقلب، ووضع الرماة على جبل الرماة، في إطار خطة تهدف إلى المحافظة على أمن المعركة وأمن الجيش وأمن الدولة، باعتبار أن الحرب كانت فاصلة بين الإسلام والكفر.
وأشار إلى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجه تعليمات صارمة إلى الرماة، فقال لهم: «لا تبرحوا أماكنكم، وإن رأيتمونا ننتصر، وإن رأيتمونا نجمع الغنائم»، كما شدد عليهم قائلًا: «ولا تبرحوا أماكنكم، وإن رأيتمونا قد هزمنا، وإن رأيتمونا قد قتلنا، فلا تبرحوا أماكنكم، وإن رأيتم الطير تخطف رؤوسنا، فلا تبرحوا أماكنكم»، مؤكدًا أن هذه التعليمات كانت واضحة وصارمة من القيادة.
وأضاف أنه عندما بدأت المعركة وحقق الجيش المسلم الانتصار وفرّت فلول قريش، بدأ المسلمون بجمع الغنائم، وهنا يبين القرآن الكريم خطورة الثغرة التي حدثت، بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾.
وتطرق إلى أن المشكلة بدأت عندما رأى الرماة المسلمين الذين تحت الجبل يجمعون الغنائم، فقال بعضهم إن المعركة انتهت، وإن عليهم النزول لجمع الغنائم، فتحولت النيات من القتال في سبيل الله إلى الجانب المادي.
وأشار إلى أن الله سبحانه وتعالى رتب هذه الأحداث بقوله: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ﴾، موضحًا أن النزاع وقع بين الرماة؛ فمنهم من قال إن عليهم البقاء كما أمرهم رسول الله، ومنهم من قال إن عليهم الإسراع حتى لا تفوتهم الغنائم، رغم أن الغنائم كانت ستأتي من نصيبهم حتى لو لم ينزلوا من مواقعهم.
وأكد أن طمع الدنيا والجانب المادي، إلى جانب التنازع، أدى إلى عصيان القيادة، وهو ما يبين خطورة الفشل والتنازع وعصيان التوجيهات في لحظة المعركة، مبيننا أن القرآن الكريم يكشف عن النوايا بقوله تعالى: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾، موضحًا أن الله سبحانه وتعالى يرد الفضل إليه، وليس إلى الأشخاص، بما يؤكد ضرورة تسليم الأمر لله وعدم الانشغال بالجانب المادي البحت في المعارك.
وأشار إلى أن هذه الثغرة لم تتعلق بمجموعة الرماة وحدها، وإنما نتج عنها تحول النصر الساحق إلى هزيمة منكرة، وأصبحت نقطة سوداء في صفحات الإسلام الناصعة، وخلدها التاريخ حتى يأخذ المسلمون منها العبر والدروس، وألا يتهاون الإنسان في أي تقصير، ولو كان بسيطًا، لأنه قد يؤدي إلى نتائج وخيمة.
وفيما يتعلق بالشائعات، أوضح العفيف أن الشائعة عندما تخترق الصفوف فإنها تجد طريقها نتيجة ضعف الثقة، مؤكدًا أن ضعف الثقة بالقيادة، وضعف الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وضعف التولي، يفتح ثغرات أمام الأعداء لاختراق الصدور بالشائعات.
وأشار إلى أن القرآن الكريم يقدم توجيهات لتحصين الصدور من الشائعات، ومنها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، مؤكدًا أن التعامل مع قيادة بهذه المواصفات يقتضي التسليم لها والثقة بها والتولي العظيم.
وأضاف أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأن القرآن يؤكد أهمية الطاعة وعدم التنازع، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، موضحًا أن الطاعة الحقيقية تظهر في عدم التنازع، لأن التنازع يؤدي إلى الفشل وذهاب القوة.
ولفت إلى أن هذه الآيات تؤكد كذلك أهمية الصبر، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، إضافة إلى قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾.
وخلص إلى أن هذه تمثل أسسًا قرآنية، إذا التزم بها المجاهدون، فلن يجد العدو أي ثغرة يتسلل منها إلى صدورهم، مشددًا على أن الشائعة في ميدان الجبهة والقتال وفي حالة إعلان الطوارئ لا تؤثر في فرد فقط، وإنما تؤثر في المشروع برمته.
