وسط تحولات ميدانية متسارعة : الحديدة بعد سقوط المخا والخوخة .. كيف يبدو المشهد على الأرض؟
صوت عدن / العربي الجديد :
قبل أيام فقط، كانت قراءة المشهد العسكري في الساحل الغربي لليمن تقود إلى استنتاج مختلف تماماً قبل تحولات ميدانية متسارعة بعد سيطرة جماعة الحوثيين على مدينة المخا ومينائها المطل على البحر الأحمر، وانسحات القوات الحكومية اليمنية من مديرية حيس، جنوبي محافظة الحديدة. وكانت المؤشرات تبدو وكأن القوات الحكومية تمهد لمعركة أكبر باتجاه مدينة الحديدة، أو على الأقل لإعادة فتح الطريق نحوها بعد سنوات من الجمود، مع تقدم قواتها واستعادة حيس، واحتدام المعارك جنوبي محافظة الحديدة.
وهنا يظهر التحول الأبرز في المشهد الجديد: المدينة التي كان يُعتقد قبل أيام، أنها قد تكون عنوان الجولة المقبلة من المواجهة، تبدو اليوم خارج حسابات الحرب البرية الجديدة، إذ لم تعد الحديدة تنتظر هجوماً برياً، كما كانت توحي تطورات الأيام السابقة بل أصبحت، في ظل التحولات الأخيرة، منطقة خلفية بالنسبة إلى خط القتال المتحرك جنوباً. وهذا لا يعني أنها خرجت من المعادلة العسكرية كلياً، لكن طبيعة دورها في الحرب تبدلت من مدينة يُحتمل أن تكون هدفاً لتقدم بري، إلى مركز سيطرة وعمق خلفي للحوثيين.
وأبرز ما تغير ميدانياً في الحديدة هو أن مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت أكثر اتصالاً على امتداد الساحل. فخلال السنوات الماضية، كان الساحل الغربي مقسوماً عملياً إلى مناطق نفوذ مختلفة، مع وجود قوات الحكومة في المخا والخوخة ومناطق أخرى، بينما كانت الحديدة ومناطق واسعة في شمالها وشرقها تحت سيطرة الحوثيين. أما الآن، فإن انتقال المخا والخوخة وحيس إلى سيطرة الحوثيين يفتح الباب أمام واقع ميداني جديد يمتلك فيه الحوثيون شريطاً جغرافياً أكثر اتصالاً، ما يمنحهم قدرة أكبر على إعادة توزيع قواتهم ومواردهم، ويقلل احتمالات تعرض مناطقهم الساحلية لهجمات من اتجاهات متعددة.
ميدانياً، يعني ذلك أيضاً أن المخا لم تعد موقعاً متقدماً معزولاً، وأن الخوخة وحيس لم تعودا تمثلان منطقتين فاصلتين بين جنوب الحديدة وبقية الساحل، وهو ما يغير طبيعة الجبهة من خطوط تماس متفرقة إلى مساحة أكثر اتساعاً، يمكن للحوثيين إعادة تنظيمها عسكرياً وأمنياً. وتبرز هنا أهمية الطرق الساحلية والداخلية التي تربط هذه المناطق بعضها ببعض؛ فكلما أصبحت هذه الطرق أكثر أمناً واستقراراً بالنسبة إلى القوة المسيطرة، ازدادت القدرة على نقل الأفراد والمعدات والإمدادات بين مناطق الساحل، وأصبح بالإمكان التعامل مع الساحل باعتباره مسرح عمليات واحداً بدلاً من جبهات منفصلة.
وخرج الحوثيون من هذه الجولة أقوى مما دخلوها ليس فقط لأنهم استعادوا مناطق واسعة من الساحل، وإنما لأنهم نجحوا في نقل مركز الثقل العسكري جنوباً، واقتربوا أكثر من أحد أهم المواقع الاستراتيجية في المنطقة، والمتمثل في باب المندب. وبهذا، فإن السؤال لم يعد: هل يخسر الحوثيون الساحل الغربي؟ بل: إلى أي مدى تستطيع الجماعة استثمار ما حققته، وإلى أين يمكن أن يصل تمددها بعدما تغيرت الخريطة خلال أيام؟
وإن كانت الخريطة العسكرية تتغير بسرعة فإن المدنيين يدفعون الثمن بصورة مباشرة. وتشير معلومات ميدانية لـ"العربي الجديد" إلى أن موجة النزوح من المديريات الثلاث بدأت منذ اندلاع الاشتباكات فيها، لكنها بلغت ذروتها ليلة أمس الأربعاء. وفي هذا السياق، تقول فاطمة، وهي من سكان المدينة، لـ"العربي الجديد"، إنها كانت تفكر في النزوح، وقد أعدت فعلاً الحقائب ووثائق العائلة، لكنها لم تكن تعلم إلى أين ستتجه، لأن المتوقع كان اندلاع المواجهات في أكثر من مدينة. وتضيف: "رغم أن الأحداث انقلبت، فإنني سأبقي حقائبنا على وضعها، فلا أحد يستطيع تخيل القادم".
ويصف أحد النازحين من مديرية الخوخة المشهد لـ"العربي الجديد"، قائلاً: "الناس بلا طعام، ولا يصدقون ما حدث هناك، وفي حالة ذهول جماعية".
ويضيف أن النازحين اضطروا إلى استخدام وسائل نقل صعبة ومختلفة، في ظل نقص وسائل المواصلات. ووصف رحلة إحدى العائلات التي شاهدها أثناء النزوح، قائلاً إن رجلاً وزوجته وأطفاله الثلاثة كانوا على ظهر دراجة نارية في طريقهم من الخوخة إلى عدن، في رحلة استمرت، بحسب وصفه، نحو 14 ساعة من دون نوم أو راحة. ويضيف: "حركة النزوح بالآلاف، ولا توجد وسائل مواصلات مناسبة أو كافية". ويقول سمير، النازح من مديرية المخا، لـ"العربي الجديد": "حتى الحق في النزوح في مثل هذه الأحوال تمت مصادرته"، مضيفاً أن هناك الكثير من العالقين بسبب انقطاع الخطوط الرابطة بين مناطق الحكومة الشرعية ومناطق الحوثيين.
