تشهد العاصمة الجنوبية عدن هذه الأيام حالة من التوتر السياسي والإعلامي على خلفية التحركات الجارية من قبل بقايا ما يعرف بـ مجلس القيادة الرئاسي اليمني وبعض القوى الشمالية المنضوية تحت مظلة “الشرعية اليمنية”، لإحياء ذكرى الوحدة اليمنية داخل الجنوب، وفي قلب عدن تحديداً، في خطوة يراها قطاع واسع من الجنوبيين محاولة سياسية رمزية لإعادة تكريس سردية “اليمن الموحد” داخل بيئة جنوبية باتت ترى أن تلك الوحدة انتهت عملياً وسياسياً منذ سنوات طويلة.
   وتزداد حساسية المشهد في ظل ما يُنظر إليه جنوبياً باعتباره غطاءً أو دعماً إقليمياً، وخصوصاً من المملكة العربية السعودية، لتحركات تُفهم لدى الشارع الجنوبي كاستفزاز سياسي يتجاوز حدود الفعاليات الرمزية إلى محاولة إعادة إنتاج وقائع سياسية تجاوزها الواقع.
   غير أن القراءة الهادئة والعقلانية للمشهد تقتضي التمييز بين “الاستفزاز السياسي” وبين “الفخ السياسي”.
   فالخطأ الأكبر الذي قد تقع فيه القوى الجنوبية اليوم، هو الانجرار إلى ردود فعل انفعالية أو صدامية تمنح خصومها ما عجزوا عن تحقيقه سياسياً وشعبياً.

أولاً: فهم طبيعة الهدف من الاستفزاز

      من الواضح أن القوى الدافعة نحو هذه الفعاليات لا تتحرك فقط بدافع الاحتفال الرمزي، بل تسعى – بدرجات متفاوتة – إلى تحقيق عدة أهداف متداخلة:
اختبار قدرة المجلس الانتقالي الجنوبي على ضبط الشارع الجنوبي.

دفع الانتقالي نحو مواجهة أمنية أو شعبية داخل عدن.
تصوير الجنوب أمام الخارج باعتباره بيئة رافضة للتعدد السياسي.

إعادة تسويق “الشرعية” كمرجعية سيادية في العاصمة الجنوبية.
خلق انطباع إقليمي بأن الانتقالي بات عبئاً يصعب احتواؤه أو الوثوق بسلوكه السياسي.

ومن هنا، فإن أي رد متسرع أو انفعالي قد يخدم أهداف الخصوم أكثر مما يضرهم.

ثانياً: لماذا لا ينبغي تحويل المناسبة إلى معركة؟
رغم الحساسية التاريخية والعاطفية التي تمثلها ذكرى الوحدة بالنسبة للجنوبيين، فإن تحويل المناسبة إلى صدام مفتوح يحمل مخاطر كبيرة، أهمها:

منح الفعالية حجماً إعلامياً وسياسياً أكبر من وزنها الحقيقي.
فتح المجال أمام حملات تشويه خارجية ضد الجنوب.
إضعاف صورة الانتقالي كقوة سياسية مسؤولة.
استنزاف الرصيد الشعبي في معارك رمزية غير منتجة.
تعميق القلق الإقليمي والدولي تجاه مستقبل الاستقرار في عدن.
وفي السياسة، كثيراً ما يتحول “الرد الغاضب” إلى هدية مجانية للخصم.

ثالثاً: المقاربة الجنوبية الأكثر ذكاءً
الرد الأكثر نضجاً وفاعلية لا يكمن في القمع أو المنع الانفعالي، بل في إدارة المشهد بثقة وسيطرة سياسية وأمنية هادئة، عبر عدة مسارات متوازية:

1. فرض هيبة النظام لا هيبة الغضب
ينبغي أن تتعامل الأجهزة الأمنية الجنوبية مع أي فعالية ضمن إطار:
حفظ الأمن،
منع الاحتكاكات،
حماية السلم المجتمعي،
والتعامل المهني مع أي تجاوزات.
فالرسالة الأهم هنا هي أن الجنوب يمتلك سلطة قادرة على إدارة الأرض بثقة، لا بردات فعل متوترة.

2. سحب القيمة السياسية من الحدث
كلما جرى التعامل مع المناسبة باعتبارها “تهديداً وجودياً”، زادت قيمتها السياسية والإعلامية.
أما احتواؤها بهدوء، فسيجعلها تبدو كفعالية معزولة لا تغير شيئاً في الوقائع السياسية القائمة.

3. نقل المعركة من الشارع إلى السردية السياسية
بدلاً من تحويل عدن إلى ساحة توتر، ينبغي إعادة توجيه النقاش نحو:
أسباب انهيار مشروع الوحدة،
حرب 1994،
فشل الشراكة السياسية،
اختلال توزيع السلطة والثروة،
وحق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم السياسي.
أي تحويل المناسبة من “احتفال بالوحدة” إلى تذكير عملي بسبب سقوطها.

4. تقديم نموذج سياسي أكثر نضجاً
يمكن للقوى الجنوبية تنظيم خطاب أو فعالية وطنية موازية، لا تقوم على الانفعال، بل على:
مشروع الدولة،
تحسين الخدمات،
الاستقرار الإقليمي،
بناء المؤسسات،
واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها.
فالمشاريع السياسية تُهزم بمشاريع أكثر قوة، لا فقط بالشعارات المضادة.

رابعاً: العلاقة مع السعودية… بين الخلاف والحكمة
مهما بلغ حجم الاستياء من بعض السياسات السعودية، فإن مصلحة الجنوب تقتضي عدم تحويل الخلاف إلى صدام مباشر مع المملكة العربية السعودية.
فالرياض، بحكم موقعها الإقليمي، تبقى لاعباً محورياً في الملف اليمني والجنوبي، وأي قطيعة أو مواجهة إعلامية مفتوحة معها قد تضر الجنوب أكثر مما تضغط على السعودية.
الأكثر فاعلية هو:

إبقاء قنوات الحوار مفتوحة،
تمرير الرسائل السياسية بهدوء،
التأكيد أن استقرار الجنوب يخدم أمن المنطقة،
والعمل على تصحيح الاختلالات عبر السياسة لا عبر التصعيد العاطفي.

خامساً: المعركة الحقيقية ليست هنا
في نهاية المطاف، لا تكمن الخطورة الأساسية في فعالية رمزية هنا أو هناك، بل في:

مستوى الأداء الخدمي،
تماسك الجبهة الجنوبية،
كفاءة الإدارة،
القدرة على بناء مؤسسات حقيقية،
والحفاظ على الحاضنة الشعبية.
     
فالشرعية الشعبية لا تُصنع فقط عبر الخطاب الوطني، بل أيضاً عبر قدرة أي مشروع سياسي على تحسين حياة الناس وترسيخ الاستقرار.

خلاصة تقدير الموقف
إن أكثر ما يحتاجه الجنوب اليوم هو “الانضباط السياسي تحت الاستفزاز”، لا الانفعال تحت الضغط.

    فالطرف الواثق من عدالة قضيته لا ينجرف بسهولة إلى معارك رمزية يريدها خصومه، بل يحول الاستفزاز ذاته إلى فرصة لإظهار:
نضجه السياسي،
وقدرته على إدارة الأرض،
وثقته بمشروعه الوطني،
واستعداده لفرض حضوره عبر الوقائع لا عبر ردود الفعل.

   وفي لحظات التوتر الكبرى، لا تُقاس قوة المشاريع السياسية بارتفاع الصوت، بل بقدرتها على التحكم بأعصابها، وإدارة خصومها بعقل بارد ورؤية بعيدة المدى.