صوت عدن / متابعات : 
حوار : همام باعباد
أجرت مجلة الفكر حوارا مع الصحفي والأديب الكبير الأستاذ محمد عمر بحاح نشرته بعددها رقم 45 حاوره/ همام عبدالرحمن محمَّد باعبَّاد .. فيما يلي نص الحوار :

بعض الأشخاص تظل حائراً عندما تفكر في إجراء حوار معه، فلا تعلم عن نقطة الانطلاقة ولا كيفية البدء، وعندما أردت إجراء هذا الحوار وجدت نفسي أقف حائراً أمام هذه الهامة الإبداعية، لكني اتخذت مسارًا لعله يكون مناسبًا للولوج إلى عوالمه الأدبية ومحاولة للاقتراب من سيرته الذاتية والمهنية، وأحسست بسعادة غامرة تجتاحني وأنا أتجاذب أطراف الحديث مع أحد أعلام القصة القصيرة في بلادي وأحد المنتمين إلى جيل الرواد، وقد حاولت الاقتراب أكثر لاستكشاف شيئاً من شخصيته الأدبية التي لم يحجبها عمله في السلك الدبلوماسي للدولة.
وقد حظيت بشرف دعوته للكتابة في نشرة (مثوب) التي تصدر في منطقة مهينم الواقعة ضمن مديرية الريدة وقصيعر بمحافظة حضرموت المجاورة لمديرية الديس الشرقية التي تعود إليها جذور ضيف حوارنا هذا، وقد كنت أتابع كتاباته عبر الصحافة سواء في مجلة فنار عدن أو صحيفة 30 نوفمبر أو المنشورة في موقع صوت عدن، وهو شخصية غنية عن التعريف، لذلك أرى أن ننتقل إلى الحوار لنتعرف عليه كما تحدث عن نفسه.


■ بداية يسعدنا أن نرحب بك ضيفًا، ونطلب منك أن تعطي القراء فكرة حول شخصكم الكريم.
□ أنا من مواليد يناير 1949م، في بلدة ساحلية اسمها حيس، على الشاطئ الصومالي على المحيط الهندي، لكني لم أرَ هذه البلدة قط، رغم إنني اشتاق كثيرًا لرؤيتها، لكن يبدو أن العمر ينصرم دون أن أتمكن من ذلك. ليس في طفولتي ما هو مميز، سوى إنني كنت طفلاً شقيًا، والأطفال الأشقياء يتمتعون بالذكاء عادة، حفظت جزء (عمَّ) عن ظهر قلب، وختمت القرآن الكريم قبل أن أكمل السابعة من عمري. الابتدائية تعلمتها في ثلاث مدارس ما بين عيرجابو وعدن والديس الشرقية، بين قارتي إفريقيا وآسيا، وهذه ضريبة دفعتها باعتباري ابن مهاجرين حضرميين لم يحظ بالاستقرار كانت طفولته تحمل الخبرات الصادمة، والعنيفة، والودودة، في الوقت ذاته. لكن في المقابل كونت لدي مخزونًا من الذكرى والذكريات، والتلاقح بين الثقافتين العربية والإفريقية التي أفادتني كثيرًا في كتاباتي وإبداعي القصصي والروائي. حياتي المهنية بدأتها صبي مقهى، وصبي دكان في عدن، وفي مدينة جعار في بلاد أبين، أو" شحاري" كما يقال للمدكن أو عامل البقالة في عدن. لكن ذلك العمل لم يَرُقْ لي، فقد كنت أتصور نفسي منذ كنت صغيرًا كاتبًا أو صحافيًا، وهذا ما تنبأت لي به جدتي " أبوللو" وهي تختتم آخر حكاية من حكاياتها الأسطورية التي كانت تحكيها لي كل ليلة. فوجدت وظيفة في صحيفة "14 اكتوبر" اليومية، حيث سلخت عشر سنوات من عمري في بلاط صاحبة الجلالة بين عدة صحف في عدن، تدرجت من محرر الى سكرتير تحرير إلى مدير تحرير خلال السنوات من 1969- 1978م. ثم أشتغلت في السلك الدبلوماسي، ملحقًا إعلاميًا في سفارة اليمن الديمقراطية لدى موسكو 1983-1986م، وكنت أقتفي بذلك أثر من سبقوني من الأدباء والكتاب الذين عملوا في السلك الدبلوماسي لبلدانهم أمثال نزار قباني، ومحمد الفيتوري، وغارسيا ماركيز، ومحمد سعيد جرادة، وعبده عثمان. العقود الأخيرة من حياتي لم تكن يسيرة؛ فقد كانت سنوات غربة واغتراب وهجرة قسرية لاتزال مستمرة بين عدة بلدان وقارات بسبب ظروف الصراعات والحروب الدموية والأوضاع المعقدة التي اقتلعت الكثير من الناس من بلدهم ومدنهم ومناطقهم.
■ هل يمكن أن تعطي القارئ فكرة عن نتاجاتك الأدبية؟
□إذا كان النتاج الأدبي يُقاس بالكم، فعدد المطبوع منه ليس كثيرًا: "عيون العصافير على طرف النهر "، المجموعة القصصية الأولى التي صدرت لي سنة 1979م في عدن، لكني انتظرت قرابة أربعين سنة كاملة حتى أصدرت مجموعتي الثانية في القاهرة بعنوان: " الخروج من المقهى الخروج من النص "، كما أصدرت في غضون ذلك كتابين هما: "أشيائي "، و" عدن ذات زمن".
■ هل نفهم من هذا إنك كاتب مقل؟
□ نعم، ولا.. تستطيع أن تقول ذلك إذا قست الأمر بعدد ما صدر لي من كتب، لكن إذا قسته بمقياس ما كتبت من قصص وروايات ومقالات خلال عمري الأدبي فهو كثير تجده منشورًا في الصحف والمجلات وأخيراً في وسائل التواصل الاجتماعي، فقد نشرت الكثير منها في الصحافة العدنية، وفي مجلات الحكمة (والكلمة) و(التواصل) و(المسار) و(الطريق) اللبنانية، و(الثقافة) الشارقية، و(البيان) الإماراتية، و(فنار عدن)، و(حوريت الثقافية)، وموقع (صوت عدن). ناهيك عمَّا هو مخطوط منها. وقد ترجمت بعض قصصي إلى عدة لغات أجنبية. ولو اهتممت بإصدارها في مجموعات لكان عندي اليوم الكثير من الكتب. نعم تستطيع أن تقول انني مقل في النشر وليس في الكتابة، وقد أدركت مؤخرا هذا التقصير، لكن الأوان لم يفت بعد فأنا أعمل الآن ومنذ فترة على جمع أعمالي المنشورة والمنثورة هنا وهناك، وتصنيفها وإعدادها للنشر في كتب إن شاء الله اذا توفرت الإمكانيات المادية !!
■ ما هو الفن الأدبي الذي كانت منه انطلاقتك في البداية؟
□ القصة القصيرة..
■ ما هو الفن الأدبي الذي تراه مفضلاً لديك؟
□ السرد .. السرد ، ثم السرد.
■ قرأنا لك مؤخرًا سلسلة مقالات في صحيفة "30 نوفمبر" الصادرة في مدينة المكلا عاصمة حضرموت بعنوان "مدن البحر"، عنوان جذاب يتشوق من خلاله القارئ إلى معرفة المزيد عن محتواه. نريد أن نتعرف أكثر عنه.
□ إنه كتاب عن البحر ومدن البحر، عمَّا علق بذاكرتي من مدن وشخوص خلال سنوات العمر؛ فالمدن بأماكنها وشخوصها كما يقول الراحل المغفور له/ عبدالله بن أحمد بن طاهر باوزير في مقدمته للكتاب، وقد رحل - رحمه الله- قبل أن يراه مطبوعًا وكان متشوقًا لذلك. إلى جانب المقدمة يحتوي الكتاب على ثلاثة عشرة فصلاً أو نصًا عن المكلا والشحر والحامي والديس الشرقية وشرمة وعن مدينتك قصيعر.. هناك في قصيعر.. للبحر نكهة..  ولمواويل الصيادين شجن. وكلها مدن بحرية حضرمية على المحيط الهندي أو بحر العرب، ولها تاريخ عريق في الملاحة البحرية منذ القدم، الكتاب من ناحية غوص في أعماق التاريخ، ومن ناحية استحضار للأماكن والأشخاص الذين عرفتهم خلال مكوثي في تلك المدن أو زيارتي لها.
■ حصل لنا الشرف في نشرة "مثوب" بإعادة نشر مقالتك عن مدينة قصيعر التي نُشرت ضمن سلسلة ُمدن البحر في موقع صوت عدن وذلك لتعريف أبناء المنطقة والمشقاص بصفة عامة عما كتبته عنها.  ماذا يُمكن أن تضيفه هُنا حول هذا الموضوع؟
□ وماذا يمكن أن يضيف شخص مثلي لم يحظ إلا بالقليل عن هذه المنطقة الشاسعة والمجهولة؟! مازالت قصيعر والمشقاص بصفة عامة تحتاج إلى الكثير للكشف عن أسرارها وعوالمها المكنونة أرضاً وإنسانًا، وأعتقد أن أبناء قصيعر والمشقاص أولى  وأقدر على التصدي لهذه المهمة من غيرهم. وهذه دعوة مني لهم للاهتمام بالكتابة عن بلادهم. وحدهم يعرفونها ويعيشون فيها، ويستطيعون الكتابة عنها بحب بكل رعشاتها المليئة بالحياة. وبالتأكيد سيجدون قصصًا وحكايات وأشياء تستحق الكتابة عنها، أشياء كثيرة لم تبح بها بعد، ولن تبوح بها لأحد سوى أبنائها فقط. امنحوها قليلاً من وقتكم، والكثير من الحب.. استمعوا إليها، حتى في صمتها وأنينها وخوفها، والأفكار التي تملأ مخيلتها.. ليست في حاجة إلى أصوات الغير بقدر ماهي في حاجة إلى صوتكم وجهدكم، فامنحوها ذلك، تكشف لكم عن كل أسرارها، ليس أسرار الأجداد فقط، بل عن الحاضر والمستقبل، وأعتقد إنكم في نشرة مثوب تقومون بشيء كبير في سبيل ذلك، تشكرون عليه.
■ متى سنرى كتاب مدن البحر مطبوعاً؟
□ أرجو أن يكون قريبًا إلى جانب كتاب آخر بعنوان: " أنا وعبيري في بيروت" عن رحلة قمت بها مع ابنتي الصغرى إلى العاصمة اللبنانية وعدد من مدن لبنان، والكتابان ينتميان إلى حد ما إلى ما يقال له أدب الرحلات.
■ كيف يمكن تعزيز مكانة القراءة لدى الجيل الحالي الذي يعيش - جلَّهُ- في فصام مع القراءة المتأنية بسبب منشورات التواصل الاجتماعي التي يفتقد بعضها للمعايير السليمة في الصياغة ودقة المعلومة؟
□ أتفق معك أن أي نص ينبغي فيه أن يحتوي على كل العناصر من نحو وصرف وإملاء وبلاغة وتراكيب لغوية وترقيم بالإضافة إلى الأساليب، وكثير مما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي كما أشرت تفتقر إلى العديد من هذه المعايير بالإضافة إلى دقة المعلومة مع انها بكل أسف صارت هي المصدر للقراءة للأجيال اليوم بدلاً من الكتاب. لستُ في موقع من يحلل هذه الظاهرة، للإجابة على مثل هذا السؤال المهم. يحتاج الأمر إلى جهود مؤسسات البحث العلمي ومراكز الدراسات والنخب المثقفة للإحاطة بأسبابها واقتراح الحلول.. بالنسبة لي يمكنني إعادتك إلى البدايات، أعني إلى المدرسة والسنوات الأولى للتعليم. عندما كنا في الابتدائية، في بداية ستينيات القرن الماضي في السلطنة القعيطية كان يُعطى اهتمامٌ كبيرٌ باللغة العربية، ونتلقى دروسًا مكثفة في مادة العربي، في النحو والإملاء والإنشاء والتعبير والقراءة والخط والمحفوظات. أنهينا الابتدائية ونحن نجيد النحو والصرف والقواعد.. ونحن نعرف المتنبي، والمعري وجرير ، والفرزدق ، وعنترة، وأبي فراس، وشوقي، وحافظ، والشابي، وجبران، وخليل، وباكثير، والرصافي، وإيليا أبو ماضي وغيرهم، ونحفظ لهم، ومالم نقرأه في المدرسة قرأناه في المكتبات. كان في كل ناد رياضي مكتبة، وفي كل بيت كتب على الأقل إن لم تكن مكتبة صغيرة. كنا نقرأ كل ما يقع في أيدينا من صحف ومجلات وقصص وروايات. بالنسبة لي قرأت قبل أن أنهي الابتدائية لنجيب محفوظ، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، ويوسف السباعي، ويوسف إدريس، وسهيل إدريس، وجرجي زيدان، وإحسان عبد القدوس. وقرأت لشكسبير، وهمنجواي، وفولتير، وللأدباء الروس: بوشكين، تولستوي، وديستوفسكي، وتشيخوف ولغيرهم من الكتاب الغربيين في مكتبة أخي محفوظ "رحمه الله" في منزلنا في الديس الشرقية ،وقد كوّنها خلال عمله في عدن ، وكانت عدن حينها منارة ثقافية وعلمية، وكان قارئًا بامتياز لا يشق له غبار، ومنه ورثت حب القراءة. وعندما التحقت بالمعهد الديني بغيل باوزير كانت هناك مكتبة عامرة تحتوي على إبداعات كتاب مصريين وعرب وأجانب وكانت هناك ساعات للقراءة الحرة، والمكتبة مفتوحة في أي وقت. وبعد ذلك كونت مكتبتي الخاصة، وأينما ذهبت اشتري الكتب وخاصة الروايات والقصص ودواوين الشعر والنقد الخ..  قل لي الآن: ماهو موقع اللغة العربية في مناهجنا المدرسية؟! وماهو نصيب الكتب والمكتبات في مدارسنا وأنديتنا وبيوتنا ومدننا وأحيائنا؟! في سنوات مضت كان عندنا دولة تدعم سعر الكتاب مثله مثل المواد الغذائية الرئيسة، وتعتبر الكتاب غذاء الروح وينمي العقل. فماذا لدينا اليوم؟ كيف نلوم الجيل الحالي بأنه لم يعد مهتمًا بالقراءة إذا كان هذا وضع التعليم ونوع التعليم الذي نقدمه له؟ وكانت هذه نظرة الدولة والمجتمع إلى الثقافة والكتاب؟
نسمع كل فترة عن توقف مجلة ثقافية عن الصدور، وسعر الكتاب غير ميسور، ناهيك عن طباعته، ودور النشر في بلادنا يكاد يكون في حكم المعدوم!!  ماذا يفعل الجيل الجديد خاصة في ظل هذا الطوفان من وسائل التواصل الاجتماعي وثورة الاتصالات وعصر "الإنترنيت"، وغيرها كثير؟ وهو -أي الجيل الحالي- لم يتلقَ القدر الكافي من الاهتمام بلغته الأم ولا بالقراءة وما يحببه إليها. إذَّا كان الآباء لا يقرأون، ولا يجد الأبناء مكتبة في بيوتهم، وأنديتهم، وأحيائهم، ومدارسهم، ومدنهم؟ إذا كان الأب أو ولي الأمر من يشتري لولده "الموبايل" من آخر طراز وهو لايزال طفلاً صغيرًا، أو "اللاب توب"؟ كيف نتوقع منه أن يهتم بالكتاب والقراءة المعمقة؟! لهذا نادرًا ما تجد اليوم من الجيل الحالي من يمسك بكتاب، بينما ستجد آلافاً يمسكون بالهواتف النقالة في البيت، والمقهى، والشارع والسيارة، وربما هناك من يصطحبه معه إلى الحمَّام!! إنها حقًا معضلة تستدعي الوقوف عندها بجدية، ويساعد عليها تقدم وسائل الاتصال في عالم أصبح قرية صغيرة بفضل ثورة المعلومات لكن للأسف نحن في الوطن العربي في موقع التلقي والمستهلك فقط ولسنا مساهمين في صنع هذه الثورة. نحتاج إلى إصلاح شامل في بنية التعليم، وإلى مناهج حديثة تُعيد الاعتبار للتربية وتستجيب لعصر المعرفة في زمنٍ تتسارع فيه التحولات المعرفية والعلمية، بينما تقف منظومات التعليم في أغلب الدول العربية عاجزةً عن اللحاق بروح العصر كما يقول صديقي الدكتور رضوان قاسم. فبين مناهج جامدة تُدرَّس كما هي منذ عقود، وتربية مدرسية غائبة عن جوهر القيم الإنسانية، يبرز السؤال المؤلم: كيف نبني أجيالًا قادرة على التفكير لا التلقين، وعلى الإبداع لا التكرار؟ في قراءةً تحليليةً يدعو الدكتور/ رضوان قاسم إلى إصلاحٍ شاملٍ في بنية التعليم العربي، قائمًا على دمج التربية بالقيم، والحداثة بالعلم، والهوية بالتجديد، باعتبار التعليم المدخل الحقيقي لأي نهضة عربية معاصرة.
■ أين نجد مصر في مؤلفاتك؟
□ إذا كنت تقصد بمصر المكان والزمان، فقد لا تجدها مباشرة في مؤلفاتي، لكن ستجدها مع ذلك في التأثير الذي تركته مصر في جيلنا، من خلال قراءتنا للأدب المصري ولكتاب مصر من روائيين وشعراء وصحافيين، فقد أثرت مصر في معارفنا وثقافتنا منذ أن كنا تلاميذًا، وانفتح وعينا على الثقافة المصرية والكتاب المصريين. بطريقة أو بأخرى أثرت مصر على تكويني الثقافي، وتاليًا على كتاباتي.
■ بحكم عملك تنقلت في أكثر من منطقة ودولة. ما هو أثر السفر في كتاباتك؟
□ كبير جدًا.. تكاد لا تجد في كتابة من كتاباتي سواءً كانت قصة أو رواية، أو مقالاً إلاَّ وتجد ذلك الأثر للسفر. فأنا كما أسلفت ولدت في مدينة بحرية، أمي وضعتني في البحر، وكان طعمه المالح أول ما تذوقت، وحرقته في عيوني، سبحت فيه وعشت على ضفافه، وركبت البحر إلى عدن والمكلا والقرن وأنا طفل لم يتجاوز السابعة، فارتبط السفر عندي بالبحر، وتاليًا ظهر تأثيره في كتاباتي وقصصي، تجد هذا الأثر جليًا في (عدن ذات زمن) وفي (أشيائي)، والعديد من قصصي القصيرة المبكرة في مجموعتي الأولى: "مثل عيون العصافير على طرف النهر " وإحداها حملت عنوان ؛ " عبدالله عبده.. الهجرة الأخيرة "، كما حملت قصة قصيرة نشرتها في مجلة "الحكمة" عنوانها: "صواري التعب"، كما تجد هذا الأثر في قصص "حوريات الخوخة"، و"جبل ربي"، و"بريال وربع والأجر على الله"، في مجموعتي الصادرة حديثًا (الخروج من المقهى ..الخروج من النص ) كما إنَّ الكتابين اللذين أشرت اليهما سابقًا مدن البحر، وأنا وعبيري في بيروت، يعكسان أثر السفر على كتاباتي بصورة مباشرة. ولعل رواية " الشحاري" التي لا تزال مسودة أنموذج آخر لأثر السفر في كتاباتي. وكذلك ( سيدة الضوء.. سيد الحكاية) وهي " سيغراذاتياً" لم تنشر هي الأخرى. وستجد شذرات من رحلاتي الصحافية، أو للدراسة، والعمل إلى العديد من مدن العالم في كتاب "أشيائي" أكثر من أي كتاب آخر أصدرته. وحاليًا أعكف على نص عن سنوات عملي وإقامتي في موسكو.
■ ماهي سيغراذاتيا؟
□ كما هو معروف، فالسيرة الذاتية في الأدب أسلوب سردي يجمع بين السرد القصصي ووقائع التاريخ وتوثيق الأحداث التي عاشها الكاتب من واقع معايشته من الطفولة إلى الكهولة، هي نوع أدبي يروي فيه الكاتب قصة حياته الخاصة أو جزءًا منها، مستخدمًا ضمير المتكلم (أنا). تسعى إلى إعادة صياغة حياته وتقديم صورة عنها للقارئ مستنداً إلى الذاكرة والأدلة المتاحة. عندما شرعت في كتابة سيرتي الذاتية، وجدت إنني لا أكتب سيرتي فقط، وإنني لا أصلح أن أكون "بطلاً"، وحياتي تشتبك مع آخرين أجدر أن يكونوا هم الأبطال، الجزء الأول أسميته" أشيائي " وقد صدر في سنة ٢٠٢٤م عن دار أروقة في القاهرة ولاقى صدى كبيرًا من القراء والنقاد. ولم أطلق عليه سيرة ذاتية، لكن البعض ممن كتبوا عنها اعتبروها كذلك، والبعض اعتبرها رواية باعتبارها سردًا. بقي جزء كبير لم أروه من تلك السيرة، وقد احترت حين كتابتها ماذا أسميها؟ هل أسميها سيرة ذاتية؟ هي ليست كذلك، ولم أستخدم تقنية " الأنا" كما هو الحال في السيرة الذاتية. ثم في خضم البحث اهتديت إلى هذا الاسم المركب " سيغراذاتيا"، المنحوت من سيرة غير ذاتية. وقد راق لي. ولا أعلم إذا كان أحد قبلي قد أستخدم هذا المُصطلح وبالمناسبة فقد ارسلت ذات مرة نصا ادبيا إلى زميلي وصديقي الراحل: عبدالله بن أحمد بن طاهر باوزير، فكتب يقول " لأول مرة أحتار في نص أقرأه لك، هل هو قصة، مقال، أم حكاية.. لكنه سرد جميل، قد يكون شيئاً جديدًا وأنت أجدر به."
■ جرت العادة أن يكتب الأديب سيرته الذاتية في رواية أو كتاب واحد - حتى لو كان عدة أجزاء - لكن من يقرأ كتاباتك المتناثرة وكتبك المنشورة يجد سيرتك الذاتية موزعة في أكثر من موقع. لماذا لم تتبع النهج المعتاد؟
□ في الأساس لم أقصدها سيرة ذاتية، لهذا ظهرت مجزأة في عدة كتابات، خاصة في كتاب أشيائي الصادر سنة 2024م، وعدن ذات زمن الصادر سنة 2025م، وفي كتابات متفرقة هنا وهناك، لكني كما أشرت في الجواب على سؤالك السابق أعمل على كتابة نص أطلقت عليه بيني وبين نفسي" سيغراذاتيا" وقلت لك ماذا اقصد به. لا أدري ماذا سينتج عن ذلك؟ رواية.. سيرة، جزء واحد أم أجزاء.  في الأخير كل ذلك مرهون بالإمكانيات المادية ليقرأها الناس، وليست المشكلة في الكتابة ذاتها أو في التسمية. على العموم لن تكون إلا سيرة أدبية إبداعية، فليس عندي سيرة وظيفية، أو مهارية تستحق أن أكتب عنها.

■ ماذا تعني لك هذه الأماكن: حيس، عيرجابو، عدن، الديس الشرقية، غيل باوزير، القاهرة، بيروت؟
□ لكل من هذه الأماكن، وأماكن أخرى لم تذكرها مكانة خاصة في نفسي ..
● حيس: هي مسقط رأسي. لمسقط الرأس دائمًا حنين خاص مهما كبر المرء وتقدمت به السنين. أشتاق لأن أرى كيف هي؟ تضاريسها، بيوتها، كل ما أعرف انها قرية ساحلية على المحيط الهندي، وأنني ولدت فيها فقط! لأن أبويَّ انتقلا منها إلى عيرجابو. 
● عيرجابو: كُبرى مدن شمال الصومال، حيث عشت طفولتي الأولى بين المدينة ومزرعة جدي سالم سعيد باشطح وجدتي أبللو نوح في حماص. وكان أبي كما هي عادة العرب يرسلنا وأخوتي إلى الريف في السنوات الأولى من أعمارنا بنينًا وبنات، فتربينا في مزرعة جدينا تلك، حيث كنا نرعى الأبقار والماشية، ونشارك في حماية المزرعة من الطيور والقرود، وفي الليل نستمع إلى حكايات جدتي أبوللو وجدي سالم، عن الغيلان والمستذئب، والسندباد، وعلي بابا والأربعين حرامي، والعفاريت، والوحوش، وكانت تلك البذرة الأولى لأن أتعلق بعالم الحكايات والقصص، وأصبح كاتبًا وحكائياً فيما بعد.
● عدن: أحدثت نقلة هائلة في حياتي، وفي وعيي، وتكويني وفي مسيرة حياتي. كانت أول مدينة حقيقية أراها وأنا طفل لم يتجاوز السابعة. أبهرتني في كل شيء، ومن بعدها لم تبهرني مدينة أخرى. كانت مدينة البحر والتجارة الحرة، الصحافة والثقافة والتنوير، والأحلام. كانت عدن بحق حاضرة المدن في كل الجزيرة والخليج لا تضاهيها مدينة في تطورها وتمدنها، كانت مدينة عالمية تضم كثير أجناس وقوميات ولغات، وأديان من آسيا وأفريقيا وأوروبا، والجميع يعيشون في وئام وسلام. تعلمت في كلية بلقيس أول افتتاحها، لكن إقامتي فيها لم تدم، وإن كنت سأعود إليها وأعيش فيها سنوات تكوين الذات - إذ سرعان ما انتقل بي أبي إلى حضرموت. وهذا جزءٌ من الضريبة التي قلت لك انني دفعتها وأنا طفل صغير، عدم الاستقرار والانتقال من مكان إلى آخر بوصفي ابن أبوين حضرميين مهاجرين ولازالت التغريبة الحضرمية مستمرة! لا أدري ما الذي جرى لها، لعدن. فعندما عدت إليها بعد عقود لم تعد كما كانت، لقد أوجعتني بشدة. وقد عبرت عن وجعي هذا في كتابي (عدن ذات زمن).
● الديس الشرقية: هي بلد أبي وأجدادي وأهلي من أسرة آل بحاح. البلدة التي تمنيت حقًا أن يكون فيها مسقط رأسي. عندما اتمنى العودة إلى طفولتي - وكثيرًا ما أفعل ذلك- فإنني اشتاق إليها.. إلى الديس، إلى القويرة، وبيتنا الطيني، إلى أبي، وجدي: أحمد فرج، وجدتي: مريم محفوظ قرنح، إلى إخوتي وعماتي، إلى أصدقاء الطفولة وزملاء المدرسة، إلى الصيق والمعايين، وغابات النخيل، إلى زيارة الأولياء، والألعاب الشعبية، إلى العدة والشبواني والمرفع والهبيش. هناك حيث تركت آثار أقدامي، ورسمت أولى خربشاتي، وتعلمت، وفتحت عيني على مكتبة أخي محفوظ التي كانت تحوي مئات الكتب في كل الفنون، وقرأت في الشعر والقصة والرواية والتاريخ، ولم أكن أغمض عيني إلا وفي يدي كتاب. وكانت تلك المكتبة، البذرة الثانية بعد حكايات جدتي أبوللو التي ساهمت في حبي للحكايات والقصص، وحددت منذ تلك السن وجهتي وجعلت مني كاتبًا. آه كم أشتاق إلى الديس؟! وإلى شرمة حيث أجمل بحر يمكن أن تراه، حيث تركت أصدقائي السلاحف الذين سبحت يومًا معها ...!
● غيل باوزير: هي بلد جدي سالم سعيد، وأخوالي من آل باشطح. درست في المعهد الديني في ثاني افتتاح له سنة 1964م بعد نيلي شهادة الابتدائية من مدرسة الديس الشرقية، وكان ترتيبي الأول على مدرستي، والسابع على مستوى المدارس الابتدائية في السلطنة القعيطية. ضم المعهد تلاميذًا من الساحل والداخل؛ فكونت صداقات بسرعة مع الجميع تقريبًا؛ لأننا كنا نعيش معًا في داخلية المعهد. والأولاد في هذا العمر يشعرون بسعادة وهم يبنون علاقتهم مع أقرانهم من مدن ومناطق مختلفة. وكان مدرسونا من السودان ومصر وحضرموت ومنفتحين. هنا أيضًا في المعهد وجدت مكتبة عامرة بالكتب فواصلت إشباع نهمي في القراءة، وفي لعب الجمباز وكرة القدم والسلة والطائرة، والسباحة في بركة المعهد، أو في الحومة، وننصت إلى المصحف المرتل بصوت الشيخ محمود خليل الحصري من اسطوانات على جهاز "الجرامفون" وفي الليل نستمع إلى أغاني أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم وفريد الأطرش وأبوبكر سالم والمرشد وأحمد قاسم في نفس الجهاز.. عندما تركت المعهد شعرت بأني فقدت جزءًا من روحي وعالمي الطفولي الذي لم يكتمل. لكني واصلت تواصلي مع بعض زملاء المعهد بعد عقود، منهم: عبدالله بادحمان، عبدالله باكثير، علوي سالم مدهر، أحمد بازار، عبدالرحمن بامخرمة، عبدالرحمن باربيد العمودي، نجيب بكير، سعيد بن هامل، عبدالله وبير، محمد بن عميران، علي صالح الخلاقي، والصديق الذي فقدناه المرحوم المهندس عبدالله بن أحمد بن طاهر باوزير. نتواصل كزملاء بصورة يومية عبر قروب واحة المعهد الديني الذي أنشأه  زميلنا علوي سالم باعلوي، ومباشرة مع البعض. أشتاق إلى الغيل، إلى الحومة، والباغ، وبرع السدة، إلى السوق ،إلى ذهبان ووادي شقيب والدروع والديوان ومسجد الروضة وأيام زيارة النقعة. ارتبطت بعلاقات مع العديد من الأسر وخاصة من آل بن همام وباعبَّاد وباعلوي. يشدني الحنين إلى زملاء المعهد، وخاصة لتوأم روحي: علوي سالم .
● القاهرة: أول مرة زرت القاهرة كان بعد وفاة الزعيم العربي الخالد/ جمال عبدالناصر، كنت ضمن وفد إعلامي قادمين من زيارة بيونج يانج، مرورًا بموسكو. أول ما فعلناه كان زيارة ضريح الزعيم في مسجده الذي بناه، وسجلنا كلمة في سجل التعازي، ثم زرنا الأهرامات، الأثر العظيم الباقي من عجائب الدنيا السبع. لكن كنت أعرف القاهرة قبل ذلك من روايات نجيب محفوظ، ويوسف السباعي، وإحسان عبدالقدوس، ومحمد عبدالحليم عبدالله. كما أعرفها من الأفلام المصرية التي كنت أشاهدها في دور السينما في عدن؛ لذلك كان عندي تصور عنها، وعن الشعب المصري. وعلى العموم في القاهرة ومصر عمومًا لا تشعر بغربة، فالمصريون ودودون وطيبون وعشريون، ومصر قدمت الكثير للعرب وقضاياهم وخاصة لقضية فلسطين وللثورات والشعوب في العالم الثالث، وكانت صوتهم والمدافع عنهم بقوة.
ومن ناحية أخرى فمصر هي بلد حضارة السبعة آلاف سنة، وتعاقبت عليها الكثير من الحضارات، فهي أم الدنيا بحق. كما هي بلد المفكرين والكتاب والشعراء والفنانين.. وإنتاج الكتب والأفلام وساهمت في صياغة وعينا وثقافتنا وندين لها بالكثير ..
أحب مصر وأعيش في القاهرة، غير بعيد من أهرامات الجيزة، والمتحف المصري الكبير الذي أفتتح في نوفمبر الحالي.
● بيروت: ارتبطت بيروت، ولبنان بشكل عام بشيئين، بأنها بلد جبران وفيروز..
لكن هذا البلد الصغير هو أكثر من ذلك. إنه بلد الحضارة والجمال والطبيعة الخلابة والصحافة والحريات والتجديد في الشعر العربي. إنها واحدة من اكثر العواصم العربية تأثيرًا في المعرفة والتنوير والثقافة وإنتاج الكتاب. في بيروت وحدها 200  دار نشر من أصل 650 في لبنان تطبع 30 % مما يطبع في الوطن العربي كله. ما من كتاب من الكتب التي قرأتها- قرأناها إلا وحمل بصمة " طبع في بيروت ". أو مصر، أو دمشق، أنا مدين لبيروت وكتاب وشعراء لبنان وصحافته بجزء كبير من تكويني الثقافي. ما زلت أقرأ جبران واستمع إلى فيروز...
■ " لكل من هذه الأماكن، وأماكن أخرى لم تذكرها مكانة خاصة في نفسي". هذه الجملة أثارت لدي حب الاستطلاع، هل يمكن أن تحدثنا عنها؟ أقصد الاماكن التي لم ترد في سؤالي ولها مكانة في نفسك.
● اللاذقية، تعرف الآن أنني مريض بالبحر، ومسحور دائم بمدن البحر. عشت سنوات كثيرة في سورية، ورغم أن العديد من مدنها جميلة، بما فيها الفيحاء فلم يقع اختياري للعيش فيها وأسرتي إلا اللاذقية. إنها ليست مدينة بحرية على المتوسط فقط، ولكنها مدينة من مدن الروح لا يمكن إلا أن تقع في حبها.
خلدها المتنبي في عدد من قصائده، وزارها المعري ليتعلم الفلسفة اليونانية، وتعاقبت عليها الحضارات، وما زالت مقصد الشعراء والكتاب والرسامين، وبالنسبة لي فقد كنت اقتفي أثر الروائي العظيم حنا مينا، أكثر من كتب عن البحر. وكنت قرأت له من وقت مبكر الكثير من رواياته. أقول كما قال "حبي للبحر لا يحتاج إلى شهادة، كتبي هي شهادتي". ولعلَّ شيئًا من حبي للاذقية وبحرها سرى إليَّ من حنا مينا ورواياته.
● موسكو: عشت فيها حوالي أربع سنوات ملحقًا إعلاميًا في سفارة اليمن الديمقراطية لدى الاتحاد السوفيتي، كان السفير حينها الشهيد صالح أبوبكر بن حسينون،" رحمه الله". وبعد أن تعين وزيرًا للمواصلات، تولى قيادة السفارة السفير/ عبدالله سالم الحنكي قائمًا بالأعمال. الحديث يطول عن سنوات إقامتي في موسكو، وهي مدينة جميلة وإحدى عواصم صنع القرار في العالم، وثورة أكتوبر العظمى هزت وغيرت الكثير في العالم.
وأكتب الآن عن سنوات إقامتي تلك، لكن باختصار أهم ما يميزها إنها كانت سنوات "احتضار" تلك الدولة العظمى الاتحاد السوفيتي. فخلال إقامتي القصيرة تلك، شاركت في جنازة ثلاثة من زعماء الاتحاد السوفيتي؛ بريجينيف، وتشيرننكو، وأندربوف. كانت كل الدلائل تشير إلى أن الدولة الشيوعية الأولى في العالم تشيخ، لكن أحدًا لم يتوقع أن تنهار بتلك السرعة!
أما على صعيد الثقافة والأدب فقد ظلت روسيا ذلك البلد العظيم الذي أهدى للبشرية ذلك التراث الإنساني الخالد في الرواية والشعر والموسيقى والفنون.
ربما كنتُ محظوظًا جدًا لأنَّ مكتبة أخي محفوظ في الديس الشرقية، كانت تحتوي على روايات الكلاسيكيين الروس وأهم رواده: فيودور دوستويفسكي، ليو تولستوي، وأنطون تشيخوف، وخاصة "الحرب والسلام"، وآنا كارينينا لتولستوي، و"الجريمة والعقاب" و" مذكرات من العالم السفلي"، و"الإخوة كارامازوف" لدويستويفسكي، ومسرحيات وقصص قصيرة لتشيخوف، وأشعار بوشكين أحد أعظم الشعراء الروس وهو أدب عظيم يعكس عمق الثقافة الروسية، وقد أسدى سامي الدروبي بترجمته لهذه الأعمال خدمة جليلة للمكتبة العربية والقراء العرب.
أما أنا فقد تعرفت في موسكو على اثنين من أهم مترجمي الأدب الروسي في العصر الحديث هما: الروائي العراقي الكبير/ غائب طعمة فرمان، والمترجم المصري الدكتور/ أبوبكر يوسف - رحمهما الله- وكنت زبونًا دائمًا لمكتبة دار التقدم في موسكو. حبي لموسكو مرجعه إلى ذلك الأدب الروسي والثقافة الروسية التي بدأت معي منذ قراءتي المبكرة في مكتبة أخي محفوظ رحمه الله.. إذا كان لأحد فضل على تكويني وحبي للقراءة، وتعرفي على ذلك العالم المذهل، فيرجع إلى أخي ذاك، ولا يمكنني أن أجزيه بعض فضله.
■ هل لديك مؤلفات في فن الرواية؟
□ نعم.. لكنها لا تزال مخطوطات لم تطبع، والبعض لم يكتمل.
■ ماهي العوامل التي جعلتك ترى نفسك في بلاط السلطة الرابعة بعيدًا من العمل المهني المعتاد (عامل في دكان)؟
□ منذ كنت طفلاً، كنت أساعد أبي في دكانه في عيرجابو. كانت بضاعة الدكان تأتي من عدن، ومن بينها رزم من ورق الصحف باللغة الإنجليزية، كان والدي يستخدمها كورق لفافة. من بين كل تلك البضائع الكثيرة والمتنوعة والمغرية، لم تكن تستهويني غير تلك اللفافة، أهرع إليها، أفضها، أعثر من بينها على مجلات تحتوي على قصص مصورة، فأتفرج على الصور لما لم أكن أجيد الانجليزية!
كان هذا أول تعلُّق الطفل الذي كنته بالجرائد حتى دون أن يعرف ان هذه صحافة!! لما انتقلت إلى عدن، وجدت الكثير من الصحف والمجلات والكتب في دكان أخي محفوظ في حافة الهاشمي في الشيخ عثمان. اخذني إلى السوق، ومن بين كل البضائع وفيها كثير يزغلل عيني طفل مثلي، اشترى لي كتابين! كنت قد تعلمت وصرت قادرًا على القراءة، فتعلقت بالكتاب والقراءة. وعندما انتقلت الى حضرموت، الديس الشرقية، وجدت غرفة أخي محفوظ مكتظة بالكتب والمجلات فنهلت منها الكثير. وفي المدرسة الابتدائية صرت المسؤول عن المجلة الحائطية، فكنت اكتب فيها، وأخطها من الألف إلى الياء، وكنت أتمتع بخط جميل ، وأرسم فيها أيضًا.
وفي هذه المرحلة بدأت أولى خربشاتي في كتابة المقال والقصة والشعر. في المعهد الديني بغيل باوزير، واصلت القراءة والكتابة وكتبت أول مسرحية لي مثّلها  بعض زملائي وأخرجتها.
بعد الاستقلال انتقلت مع أبي والأسرة إلى عدن، كانت البلاد تعاني من البطالة ومن أزمة اقتصادية بعد رحيل الإنجليز. أبي وجد عملاً بسرعة في "كانتين" للجيش، بينما عجزت في الحصول على عمل، فعملت مع أبي في الدكان، وفي دكان في جعار، وفي نفس الوقت واصلت البحث عن عمل. وذات يوم زرت ابن عمتي الذي كان يعمل في دكان في حافة شريف في كريتر، كانت صحيفة ١٤ أكتوبر تطبع في مطبعة قريبة من الدكان، تعرفت على صديق عدني وعرضت عليه بعض كتاباتي أو خربشاتي، فاقترح عليَّ نشرها في الصحيفة، فكان ذلك المفتاح الذي نقلني من العمل المعتاد في الدكان إلى رحاب العمل في صاحبة الجلالة (الصحافة).  ثم لا تنسى أن جدتي أبوللو قد تنبأت لي بأني سأصير كاتبًا، والجدات لا يكذبن، وأنا لم أرد أن أخيب نبوءة جدتي!
■ من هو الشخص الذي تعده مثلك الأعلى في الصحافة؟ ومن هو أديبك المفضل؟
□ ليس شخصاً واحدًا، في كل مرحلة من المراحل كنت معجبًا بأحد ما، ربما بأسلوبه، أو المواضيع التي يتطرق إليها، لكنه لم يتعد إلى حدود أن اعتبره مثلي الأعلى، أو أديبي المفضل. لم أشأ إلا أن أكون نفسي.. هذا لا يعني إنني لم أستفد منهم جميعًا.
■ كيف كانت علاقة عملك في السلك الدبلوماسي بمسيرتك الأدبية؟
□ تقريبًا لم اكتب شيئًا، لكنني جددت علاقتي عبر إعادة القراءة بالأدب الروسي العظيم. أنا عادة من النوع الذي لا يكتب حتى يبلغ السيل الزُبى كما كان الطيب صالح. أقرأ كثيرًا، أتأمل واتفكر كثيرًا فيما أراه من أحداث وظواهر، وسلوك الناس، واختزن كل ذلك، ربما لسنوات، ولا تأتي الكتابة عنها فورًا، وقد تتأخر ولا تأتي أبدًا، لكنها حين تأتي تتدفق كالسيل ولا تتوقف.

■ إذن فأنت تشعر بعدم وجود رابط بين العمل الدبلوماسي والعمل الأدبي.. أليس كذلك؟
□ ليس هذا ما قصدته، فالعمل الدبلوماسي يمنح الأديب فرصة الإبحار في عوالم أخرى والاطلاع على ثقافات مغايرة تغني تجربته في الكتابة الأدبية. كثيرون ممن اشتغلوا بالكتابة والأدب، وفي العمل الدبلوماسي تركوا كتبًا تمثل مصدرًا مهمًا من مصادر التوثيق التاريخى، وفي الرواية والقصة والشعر. فقط كنت أتحدث عن تجربتي الشخصية في العمل الدبلوماسي.

■كيف أثرَّ العمل في صحيفة ١٤ أكتوبر في كتاباتك الأدبية؟
□ العمل في صحيفة 14 أكتوبر والصحافة عمومًا أعطاني وأخذ مني في نفس الوقت؛ أثر على إبداعي إيجابًا وسلبًا، بمعنى من ناحية عزز مهارات الكتابة عندي ووسع خبراتي. ومن ناحية أخرى قيد إبداعي، فالكتابة الصحفية تكون مباشرة وتتعارض مع طبيعة الإلهام الأدبي.. استهلك العمل الصحفي وقتي ولم يمنحني الوقت الكافي للاشتغال على مهاراتي الأدبية والفنية، لكنها - الصحافة - من ناحية ثالثة وفرت لي منصة واسعة لنشر أعمالي خاصة في المراحل الأولى وقدمتني إلى القارئ لا بصفتي صحافيًا فقط، بل أديبًا أيضًا، فكما قلت لك فقد دخلت الصحافة من باب القصة القصيرة..
■ مساحة حرة تقول فيها ما تراه مناسبًا في ختام هذا الحوار.
□ وهل بقي ما يقال؟