صديق آخر ينضم إلى "أصدقائي ...الخونة!"
التحق صديق آخر لي "بزمرة الخونة! هو الشاعر والأديب والصحافي الكبير محمود علي الحاج الذي انتقل إلى رحمة الله بعد معاناة شديدة مع المرض خلال الايام الماضية في صنعاء.وحتى لا يسيء القاريء الكريم الظن بصديقي محمود الحاج، فتعبير الصديق الخائن ، أو "أصدقائي الخونة" تعبير أطلقته على أصدقائي الذين "يفركون" بي ، بلهجتنا المحلية ويموتون قبلي !! مع علمي ان الامر ليس بيدهم ، فلا أحد يختار موته بنفسه، وإن موعد رحيلي لم يحن بعد.!
كنت قد عدت لتوي من زيارة الصديق الدكتور هاني الصلوي مدير دار أروقة للطباعة والنشر في القاهرة وأسلمته مسودة كتابي الجديد : "أصدقائي الخونة" الذي ضم مجموعة مقالات عن أصدقائي الذين غادروا دنيانا إلى عالم الخلود خلال السنوات الماضية، فصاروا "خونة" بهذا المفهوم ، لكني لم استطع أن أرثيه في حينه ، ليس لأن وقع موته كان شديدًا على قلبي ونفسي فحسب ، بل لأني كنت مريضُا ممنوعًا من الكتابة وكل مايعرضني للتأثير خاصة الموبايل والتلفزيون اثر عملية عين أجريتها مؤخرًا.
محمود علي الحاج ، ولدنا في نفس العام 1949م، والتحقنا في العمل في صحيفة 14اكتوبر اليومية في نفس العام 1970، يكتب الشعر بينما أكتب القصة القصيرة. فوجدنا بيننا صفات ثقافية مشتركة جعلتنا نصبح صديقين بسرعة بالإضافة إلى المزايا الإنسانية التي وجدتها في محمود الحاج.وقضينا بعض سنوات العمل اللذيذ الذي لايخلو من منغصات في صاحبة الجلالة في عهد
رئيس التحرير سالم زين محمد، رئيس مجلس الإدارة المدير العام لمؤسسة 14 اكتوبر في عدن .
يُقال عادة : لاتعرف المرء إلا إذا سافرت معه! وقد سافرنا معًا أنا ومحمود في رحلة طويلة شملت ثلاثة قارات بين القاهرة ، موسكو ، وبيويانج في وفد إعلامي ترأسه الراحل الجميل الدكتور عبد الرحمن إبراهيم عبدالله وكيل وزارة الإعلام. وخلال هذه الرحلة تعمقت علاقتي بمحمود الحاج،واكتشفت العديد من مزاياه الإنسانية النبيلة، كصديق يمكن الوثوق بصداقته التي امتدت مدى العمر . ورغم اننا كنا في نفس العمر ونشغل نفس المهنة، لكن محمودًا كان يسبقني بأشياء كثيرة على صعيد الصحافة، وعلى صعيد النشر، وعلى صعيد الحياة ، فكنت أستفيد منه ولم يكن يبخل.
في القاهرةزرنا ضريح الزعيم الخالد جمال عبدالناصر،وأهرامات الجيزة، وعشنا لحظات دهشة وانبهار بعظمة الهرم الأكبر " خوفو" من الداخل، وهو أمرٌ إستثنائي بكل المقاييس لا يُتاح لكل الزوار في كل وقت!!
ولم اعرف ماذا كانت المناسبة، حيث يكتفي السياح عادة بالفرجة على الأهرامات من الخارج !! أرانا الدليل تجويفًا صغيرًا داخل الهرم الكبير قال إنه حيث كان الملك ينام !وهمس محمود الحاج في أذني على طريقته الساخرة :" كل هذا البناء الضخم ولم يجد الملك غير هذا المكان الزغير..! لينام فيه" ولم يكن جلال المكان يسمح بالضحك حتى لانلفت أنظار الزوار من حولنا، وأيضاً حتى لا نغضب الدليل فاكتفيت بالإبتسام ولم أعلق .والحقيقة ان مومياء الملك خوفو، صاحب الهرم الأكبر، وأحد عجائب الدنيا السبع، واحدة من ألغاز التاريخ الفرعوني، حيث لم يعثر على مومياء الملك في الأهرامات أو في أي مقابر فرعونية أخرى حتى الآن!!
تناولنا طعام الغذاء في مطعم "فلفلة" المطل على الهرم حيث وجدنا الفنان سعيد صالح، وكان في مطلع نجوميته كممثل كوميدي بعد ظهوره العاصف مع عادل إمام في مسرحية " مدرسة المشاغبين "، وتبادلنا حديثًا قصيرًا معه، وكان سعيدًا أنه معروف في عدن التي قدمنا منها، أما صنعاء فلم يكن قد دخلها التلفزيون بعد ..
شارك محمود الحاج في تأسيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في عدن ، وكان عضوا في لجنته التحضيرية . لم تطل فترة زمالتنا في14اكتوبر ، إذ غادر محمود الحاج وفضل النقيب عدن في قصة هروب مشهورة يصفها الشاعر محمد سعيد جرادة على طريقته الساخرة : "التقدميون تقدموا والرجعي رجع !" وكانوا سافروا جميعًا في وفد إلى صنعاء للتحضير للمؤتمر. لم يعد منه إلى عدن إلاّ الجرّادة. لكن محمودالحاج لم يعتقل في عدن التي هرب منها عام 1974 بل في صنعاء عام 1976 التي هرب إليها ، وكان زميله في الصحافةو المعتقل عبدالباري طاهر بسبب التاء المربوطة!وكدت أذهب ضحية خطأ تقني بسبب "البصل" و"الثوم" مع صديقي سعيد عولقي رحمه الله في عدن سنة 1977فالسلطة أي كانت لاتطيق المثقف ولا الكلمة الحرة الصادقة ، وعلى طريقة "جوبلز"يتحسس المسؤولون فيها كلما سمعواكلمة : " ثقافة " !! مسدساتهم. وقد رأيت ذلك المسدس بأم عيني يتدلى من خاصرة الرئيس في أغرب استجواب لصحفيين بسبب خطأ تقني!! لولا لطف الله ويومي الذي لم يحن .
محمود الحاج متعدد المواهب فوق كونه شاعرًا ،وشاعرًاغنائيًا مشهورًا، كاتب صحافي ، تولى رئاسة تحريرعدد من الصحف والمجلات في عدن وصنعاء .
وتولى الإدارة العامة لمؤسسة سبأ للصحافة والأنباء،تفرّغ للعمل في تلفزيون صنعاء، معدًّا ومقدّمًا للبرامج الثقافية والفنية. ويعد برنامج «إكليل»، من أبرز برامجه الثقافية.عمل مديرًا للبرامج الثقافية والمنوعات في القناة الأولى.ثم مديرًا عامًا للبرامج في نفس القناة. أصدر سيرته الذاتية قبل سنوات
بعنوان : " من حقيبة الذكريات " ، وحتمًا ليست كل مافي جعبته، فرجل مثل محمود الحاج عاش كل هذا العمر (77سنة)، وعاصر الكثير من الأحداث والتطورات، حتمًا حقيبته اتسعت للكثير منها الذي لم يخرجه كله للعلن، وإن كانت ميوله أقرب للأدب والثقافة والشعر منه بالذات. والشعر يميل إلى الجمال والكمال والإيجاز لا التفاصيل وقدأصدره في عدة دواوين، آخره " لاتسافر " عنوان أغنيته التي لحنها الفنان أحمد فتحي وشكلا معًا ثنائيًا ناجحًا لزمن ليس بالقصير.
يصف الأستاذ عبدالباري طاهر محمود الحاج بأنه "شاعر مبدع وكاتب أغنية رائع وصحفي قدير ومتمكن، وأنموذج للإنسان المكافح"، ويصفه صديقه الشاعر محمد عبدالوهاب الشيباني بالشاعر والإعلامي الكبير، فيما يصفه صديقه ومجايله الأديب والشاعر أديب قاسم
بذات الأوصاف . وهو حقًا كذلك ويستحق ماهو أكثر.
رحم الله محمود الحاج وأسكنه الجنة
فقد فقدت صديقًا نبيلاً، وفقدت الثقافة والصحافة أديبًا وشاعرًا وصحافيًا كان جزءً من المشهد الشعري والإعلامي والصحافي طوال عقود ، قد استحق مكانه عن جدارة في كتابي القادم: "أصدقائي الخونة!!".